أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
248
العقد الفريد
ومن جوده أيضا : أنّ معاوية حبس عن الحسين بن عليّ صلاته حتى ضاقت عليه حاله ، فقيل [ له ] : لو وجّهت إلى ابن عمك عبيد اللّه ، فإنه قد قدم بنحو من ألف ألف درهم . فقال الحسين : وأين تقع ألف ألف من عبيد اللّه ؟ فو اللّه لهو أجود من الريح إذا عصفت ، وأسخى من البحر إذا زخر . ثم وجه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم . فلما قرأ عبيد اللّه كتابه ، وكان من أرقّ الناس قلبا وألينهم عطفا . انهملت عيناه ثم قال : ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك « 1 » من الإثم حين أصبحت ليّن المهاد رفيع العماد ، والحسين يشكو ضيق الحال وكثرة العيال . ثم قال لقهرمانه : احمل إلى الحسين نصف ما أملكه من فضّة وذهب وثوب ودابة ، وأخبره أني شاطرته مالي ، فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر . فقال له القيم : فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها ؟ قال : إذا بلغنا ذلك دللتك على أمر يقيم حالك ! فلما أتى الرسول برسالته إلى الحسين قال : إنا للّه ! حملت « 2 » واللّه على ابن عمي وما حسبته يتسع لنا بهذا كله . فأخذ الشطر من ماله . وهو أول من فعل ذلك في الإسلام . ومن جوده أن معاوية بن أبي سفيان أهدى إليه وهو عنده بالشام من هدايا النّيروز حللا كثيرة ومسكا وآنية من ذهب وفضة ، ووجّهها مع حاجبه ، فلما وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب وهو ينظر إليها ، فقال : هل في نفسك منها شيء ؟ قال : نعم واللّه ، إنّ في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف عليهما السلام . فضحك عبيد اللّه وقال : فشأنك بها فهي لك . قال : جعلت فداك ، أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيجد عليّ . قال : فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن ، فإذا حان خروجنا حملها إليك ليلا . فقال الحاجب : واللّه لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم ، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه - يعني معاوية - فظنّ عبيد اللّه أنها مكيدة منه ، قال : دع عنك هذا الكلام ، فإنا قوم نفي بما وعدنا ولا ننقص ما أكدنا .
--> ( 1 ) اجترحت يداك : اقترفت واكتسبت من إثم . ( 2 ) حملت : ضيّقت وكلّفته الكثير .