أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

225

العقد الفريد

ثم جاء ووقف على باب المجلس ، وقال : اصنعوا بي ما صنعتم بأنفسكم . قال : فجاء الغلام فطرح عليه ثياب المنادمة ، ودعا بالطعام فطعم . ثم جاء بالشراب فشرب ثلاثا ، ثم قال : ليخفّف عنيّ فإنه شيء ما شربته قط . فتهلل وجه جعفر وفرح . وكان الرشيد قد عتب على عبد الملك بن صالح ووجد « 1 » عليه ، فقال له جعفر بن يحيى : جعلني اللّه فداك ، قد تفضّلت وتطوّلت وأسعدت ، فهل من حاجة تبلغها مقدرتي ، أو تحيط بها نعمتي ، فأقضيها لك مكافأة لما صنعت ؟ قال : بلى ، إن قلب أمير المؤمنين عاتب عليّ فسله الرضا عني . قال : قد رضي عنك أمير المؤمنين . ثم قال : عليّ أربعة آلاف دينار . قال : حاضرة ، ولكن من مال أمير المؤمنين . أحبّ إليك . قال : وابني إبراهيم أحب أن أشدّ ظهره بصهر من أولاد أمير المؤمنين . قال . قد زوّجه أمير المؤمنين عائشة . قال : وأحب أن تخفق الألوية على رأسه . قال : قد ولّاه أمير المؤمنين مصر . قال : وانصرف عبد الملك ونحن نعجب من إقدامه على قضاء الحوائج من غير استئذان أمير المؤمنين . فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ودخل جعفر ، فلم نلبث أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك ، فعقد النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك ؛ وكتب سجل إبراهيم على مصر . . وخرج جعفر فأشار إلينا ، فلما صار إلى منزله ونحن خلفه ، نزل ونزلنا بنزوله ؛ فالتفت إلينا ، فقال : تعلقت قلوبكم بأوّل أمر عبد الملك فأحببتم معرفة آخره ، وإني لما دخلت على أمير المؤمنين مثلت بين يديه وابتدأت القصة من أولها ؛ فجعل يقول : أحسن واللّه ، فما صنعت ؟ فأخبرته بما سأل وبما أجبته به ، فجعل يقول في ذلك : أحسنت : أحسنت ! وخرج إبراهيم واليا على مصر . ذو حاجة على باب ملك من الأكاسرة : وقدم رجل على ملك من ملوك الأكاسرة ، فمكث ببابه حينا لا يصل إليه ، فتلطف في رقعة أوصلها إليه ، وفيها أربعة أسطر :

--> ( 1 ) وجد : من الموجودة ، وهي الغضب .