أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

222

العقد الفريد

أبو دلامة والمهدي : ودخل أبو دلامة على المهدي ، فأنشده أبياتا أعجب بها ، فقال له : سلني أبا دلامة واحتكم وأفرط ما شئت . فقال : كلب يا أمير المؤمنين أصطاد به . قال : قد أمرنا لك بكلب ، وهاهنا بلغت همتك ، وإلى هاهنا انتهت أمنيتك ؟ قال : لا تعجل عليّ يا أمير المؤمنين ، فإنه بقي علي . قال : وما بقي عليك ؟ قال : غلام يقود الكلب . قال : وغلام يقود الكلب . قال : وخادم يطبخ الصّيد . قال : وخادم يطبخ الصيد . قال : ودار نسكنها . قال : ودار تسكنها . قال : وجارية نأوي إليها . قال : وجارية تأوي إليها . قال : قد بقي الآن المعاش . قال : قد أقطعناك ألفي جريب « 1 » عامرة وألفي جريب غامرة . قال : وما الغامرة يا أمير المؤمنين ؟ قال : التي لا تعمر . قال : أنا أقطع أمير المؤمنين خمسين ألفا من فيافي بني أسد . قال : قد جعلتها كلّها لك عامرة . قال : فيأذن لي أمير المؤمنين في تقبيل يده ؟ قال : أما هذه فدعها . قال : ما منعتني شيئا أيسر على أمّ ولدي فقدا منه . أبو دلامة والمنصور : ودخل أبو دلامة على أبي جعفر المنصور يوما وعليه قلنسوة طويلة ، وكان قد أخذ أصحابه بلباسها وأخذهم بلبس دراريع ، عليها مكتوب بين كتفي الرجل : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ « 2 » وأمرهم بتعليق السيوف على أوساطهم . فدخل عليه أبو دلامة في ذلك الزّيّ ، فقال له : كيف أصبحت أبا دلامة ؟ قال : بشرّ حال يا أمير المؤمنين . قال : كيف ذلك ؟ ويلك . قال : وما ظنّك يا أمير المؤمنين بمن أصبح وجهه في وسطه ، وسيفه على استه ، وقد نبذ كتاب اللّه وراء ظهره ؟ قال : فضحك أبو جعفر وأمر بتغيير ذلك ، وأمر لأبي دلامة بصلة .

--> ( 1 ) الجريب : ثلاثة آلاف وستمائة ذراع ، وقيل عشرة آلاف ذراع . ( 2 ) سورة البقرة الآية 137 .