أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

199

العقد الفريد

وذهب دم وجهه . اللهم فإن كانت الدنيا لها عندي حظّ فلا تجعل لي حظا في الآخرة . وقال أكثم بن صيفي : كل سؤال وإن قلّ أكثر من كل نوال وإن جلّ . وقال عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه لأصحابه : من كانت له إليّ منكم حاجة فليرفعها في كتاب ، لأصون وجوهكم عن المسألة . حبيب قال : عطاؤك لا يفنى ويستغرق المنى * وتبقى وجوه الرّاغبين بمائها « 1 » وقال حبيب أيضا : ذلّ السّؤال شجا في الحلق معترض * من دونه شرق من خلفه جرض « 2 » ما ماء كفّك إن جادت وإن بخلت * من ماء وجهي إذا أفنيته عوض إنّي بأيسر ما أدنيت منبسط * كما بأكثر ما أقصيت منقبض وقالوا : من بذل إليك وجهه فقد وفّاك عن نعمتك . وقالوا : أكمل الخصال ثلاث : وقار بلا مهابة ، وسماح بلا طلب مكافأة ، وحلم بغير ذلّ . وقالوا : السخي من كان مسرورا ببذله ، متبرعا بعطائه ، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله ، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره ، ولا يكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحب للطائر : لا يريد نفعها ولكن نفع نفسه . بين ابن أبي سبرة وأبي الأسود : نظر المنذر بن أبي سبرة إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع ، فقال له : ما أصبرك على هذا القميص ؟ فقال له : ربّ مملوك لا يستطاع فراقه . فبعث إليه

--> ( 1 ) يستعرق المنى : أي يكون قدرها وماء الوجوه : كرامتها وحياؤها . ( 2 ) الشجا : ما يعترض في الحلق من لحمة وغيرها . والجرض : الغصص .