أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

184

العقد الفريد

فتعاظمهم ذلك . فكمن له عبيدة بن هلال فضربه ، واحتمله أصحابه ، فظنّت الخوارج أنه قد قتل ، فكانوا إذا تواقفوا ينادونهم : ما فعل الهرار ؟ فيقولون : ما به من بأس . حتى أبلّ « 1 » من علّته ، فخرج إليهم فقال ؛ يا أعداء اللّه ! أترون بي بأسا ؟ فصاحوا : قد كنا نرى أنك لحقت بأمك الهاوية في النار الحامية . فلما طال الحصار على عتّاب ، قال لأصحابه : ما تنتظرون ؟ إنكم واللّه ما تؤتون من قلّة ؛ وإنكم فرسان عشائركم ؛ ولقد حاربتموهم مرارا فانتصفتم منهم ؛ وما بقي من هذا الحصار إلا أن تفنى ذخائرهم فيموت أحدكم فيدفنه صاحبه ، ثم يموت هو فلا يجد من يدفنه ! فقاتلوا القوم وبكم قوة ، من قبل أن يضعف أحدكم عن أن يمشي إلى قرنه . فلما أصبح صلى بهم الصبح ، ثم خرج إلى الخوارج وهم غارّون ، وقد نصب لواء لجارية يقال لها ياسمين ، فقال : من أراد البقاء فليلحق بلواء ياسمين ! ومن أراد الجهاد فليلحق بلوائي . قال : فخرج في ألفين وسبعمائة فارس ، فلم تشعر بهم الخوارج حتى غشوهم . فقاتلوهم بجد لم تر الخوارج مثله ، فقتلوا أميرهم الزبير بن عليّ ، وانهزمت الخوارج ، فلم يتبعهم عتّاب بن ورقاء . وخرج قريب بن مرة الأزدي وزحّاف الطائي ، وكانا مجتهدين بالبصرة في أيام زياد فاعترضا الناس ، فلقيا شيخا ناسكا من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار فقتلاه ، وتنادى الناس ، فخرج رجل من بني قطيعة من الأزد بالسيف ، فناداه الناس من بعض البيوت : الحرورية الحرورية ! انج بنفسك . فنادوه : لسنا حروريّة نحن الشّرط . فوقف فقتلوه . وبلغ أبا بلال خبرهما ، وكان على دين الخوارج إلا أنه كان لا يرى اعتراض الناس ، فقال : قريب ، لا قرّبه اللّه من الخير ، وزخّاف ، لا عفا اللّه عنه ، فلقد ركباها عشواء مظلمة « 2 » .

--> ( 1 ) أبلّ : شفي . ( 2 ) يريد اعتراضهما الناس ، والعشواء . المظلمة : الناقة العمياء التي تتخبّط في سيرها .