أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
181
العقد الفريد
العلّة رجوع العداوة ، كالماء تسخّنه فإذا أمسكت عنه عاد إلى أصله باردا والشجرة المرّة لو طليتها بالعسل لم تثمر إلا مرّا . وقال دريد : وما تخفى الضغينة حيث كانت * ولا النّظر المريض من الصحيح وقال زهير : وما يك في صديق أو عدوّ * تخبّرك العيون عن القلوب وقيل لزياد : ما السرور ؟ قال : من طال عمره حتى يرى في عدوه ما يسرّه . باب من أخبار الأزارقة كان أول من خرج من الخوارج بعد قتل عليّ رضي اللّه عنه ، حوثرة الأقطع ؛ فإنه خرج إلى النّخيلة واجتمع إليه جماعة من الخوارج ، ومعاوية بالكوفة ، وقد بايعه الحسن والحسين وقيس بن سعد بن عبادة ؛ ثم خرج الحسن يريد المدينة ؛ فوجه إليه معاوية وقد تجاوز في طريقه ، يسأله أن يكون المتولّي لمحاربتهم . فقال الحسن عليه السلام : واللّه لقد كففت عنك لحقن دماء المسلمين ، وما أحسب ذلك يسعني ؛ فكيف أن أقاتل قوما أنت أولى بالقتال منهم ؟ فلما رجع الجواب إليه وجّه إليهم جيشا أكثره من أهل الكوفة ، ثم قال لأبي حوثرة . تقدّم فاكفني أمر ابنك . فسار إليه أبوه ، فدعاه إلى الرجوع ، فأبى ، فداوره فصمّم . فقال له : أي بنيّ ، أجيئك بابنك لعلّك تراه فتحنّ إليه ! فقال له : يا أبت ، أنا واللّه إلى طعنة نافذة أتقلّب فيها على كعوب الرمح أشوق مني إلى ابني . فرجع إلى معاوية فأخبره ، فقال : يا أبا حوثرة ، جار هذا جدا . فلما نظر حوثرة إلى أهل الكوفة قال : يا أعداء اللّه ! أنتم بالأمس تقاتلون معاوية لتهدّوا سلطانه . واليوم تقاتلون معه لتشدّوا سلطانه ؟ ثم جعل يشدّ عليهم ويقول : احمل على هذي الجموع حوثرة * فعن قريب ستنال المغفرة