أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
179
العقد الفريد
وقال سابق البلويّ : وداهن إذا ما خفت يوما مسلّطا * عليك ، ولن يحتال من لا يداهن « 1 » وقالت الحكماء : رأس العقل مغافصة « 2 » الفرصة عند إمكانها . والانصراف عما لا سبيل إليه . وقال الشاعر : بلاء ليس يشبهه بلاء * عداوة غير ذي حسب ودين يبيحك منه عرضا لم يصنه * ويرتع منك في عرض مصون التحفظ من العدوّ وإن أبدى لك المودّة قالت الحكماء : احذر الموتور ولا تطمئن إليه ، وكن أشدّ ما تكون حذرا منه ألطف ما يكون مداخلة لك ؛ فإنما السلامة من العدوّ بتباعدك منه ، وانقباضك عنه . وعند الأنس إليه والثقة [ به ] تمكّنه من مقاتلك . قالوا : لا تطمئنّ إلى العدو وإن أبدى لك المقاربة ، وإن بسط لك وجهه وخفض « 3 » لك جناحه ؛ فإنه يتربّص بك الدوائر ، ويضمر لك الغوائل ولا يرتجي صلاحا إلا في فسادك ، ولا رفعة إلا بسقوط جاهك . للأخطل يحذر بني أمية : كما قال الأخطل : بني أميّة إني ناصح لكم * فلا يبيتنّ فيكم آمنا زفر « 4 » واتخذوه عدوّا إنّ شاهده * وما تغيّب من أخلاقه دعر « 5 »
--> ( 1 ) داهن : صانع . ( 2 ) المغافصة : المفاجأة والأخذ على حين غرة . ( 3 ) خفض جناحه : تودّد وأظهر الدّعة والتواضع . ( 4 ) هو زفر بن الحارث بن كلاب الكلابي ، أخو بني نفيل بن عمرو بن كلاب . ( 5 ) الوعر : الفساد .