محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
28
الظرف والظرفاء
قال الصولي في حديثه عن خلافة الراضي 322 ه « 58 » : إني لأذكر يوما في إمارته وهو يقرأ عليّ شيئا من شعر بشار وبين يديه كتب لغة وكتب أخبار ، إذ جاء خدم من خدم جدته السيدة فأخذوا جميع ما بين يديه من الكتب فجعلوه في منديل دبيقي كان معهم ، وما كلمونا بشيء ومضوا ، فرأيته قد وجم لذلك واغتاظ فسكت ، فسكنت منه وقلت له : ليس ينبغي ان ينكر الأمير هذا ، فإنه يقال لهم إن الأمير ينظر في كتب لا ينبغي أن ينظر في مثلها ، فأحبوا أن يمتحنوا ذلك ، وقد سرني هذا ليروا كل جميل حسن . ومضت ساعات أو نحو ذلك ثم ردوا الكتب بحالها . فقال لهم الراضي : قولوا لمن أمركم بهذا ، قد رأيتم هذه الكتب ، وانما هي حديث وفقه وشعر ولغة وأخبار وكتب العلماء ، ومن كمله اللّه بالنظر في مثالها وينفعه بها ، وليست من كتبكم التي تبالغون فيها مثل عجائب البحر وحديث سندباد والسنور والفأر . وفي خبر طويل يرويه أبو بكر الصولي أيضا « 59 » نتبين مدى مراقبة السيدة شغب لثقافة مربي الأمراء ، وهي ترفض أن تعطيهم أجورهم كي ينقطعوا عن دخول القصر ، كما أنها تراقب مقرراتهم ، وبلغ بها الأمر أن طردتهم بقولها : « ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء ، وهذا أبوهم ( المقتدر ) قد رأينا كل ما نحب فيه وليس بعالم » . في هذه البيئة عمل الوشاء ، وفي مثل تلك الظروف وضع كتابه في « الظرف والظرفاء » ، عله أراد اقتراح قيم اجتماعية لجماعة من صغار النبلاء الجدد . فهمي سعد
--> ( 58 ) - اخبار الراضي باللّه والمتقي للّه 5 - 6 . ( 59 ) - نفسه ، 25 - 26 .