محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء

27

الظرف والظرفاء

المعتمد ، أي أنه دحل القصر في منتصف القرن الثالث . ومن العناوين التي تركتها لنا المصادر ، يبدو أنه كان متخصصا في مجال الظرف ، فمن كتبه أخبار المتظرفات وكتاب السلوان والمذهب ، والحنين إلى الأوطان وحدود الظرف الكبير . ويبدو أنه لم يكن غنيا ، فقد كان معلما في مكتب العامة فهو يدافع عن الفقراء الظرفاء ضد الأغنياء المتخلفين ، كما يروي لنا رواية في الظرف « 57 » عن احدى متظرفات القصور تقول : من كان عفيفا كان عندنا متكاملا ظريفا ، ومن كان غنيا عاهرا كان ناقصا فاجرا . والأهمية التاريخية لكتاب الظرف هو أنه يكاد يكون الوحيد الذي وصلنا من بين سلسلة من المؤلفات في هذا الباب وضعت في عصره . فقد كان القرن الثالث الهجري مهد المؤلفات في هذا الباب ، ويضيف الوشاء صورة من الحياة الراقية التي كان يحياها جماعة من الميسورين والظرفاء ، ويقترح قواعد في أصول التعامل وفي أدب المائدة واللباس والزينة واستخدام الجواهر . ويسجل لنا نوعا من أدب المكاتبة بين الظرفاء والعشاق . إنه أشبه ما يكون بوثيقة تاريخية . ولن نرى ما يشابهها إلا بعد قرن مع ( حكاية أبي القاسم البغدادي ) التي لم تكتف بوصف مظاهر الترف داخل البيت البغدادي ، بل انتقلت إلى شوارع بغداد في الجزء الشرقي منها ، حيث قام قصر الخلافة وقصور السلاطين والوزراء ، وحيث قامت أسواق تجارية مزدهرة . وإذا ما قارنا أسلوب ( الظرف والظرفاء ) مع ما سبقه من مؤلفات في موضوعه ، نراه محافظا وتقليديا ، فهو أشبه بالأمالي التي سبق أن تلقاها على أيدي أساتذته ، كما أن ولعه في السجع يضفي على الكتاب المزيد من التقليد . ولعله وضع بتأثير منافسات شديدة كان من أبطالها ابن أبي طاهر ( طيفور ) وأحمد بن الطيب السرخسي الذي دفع عنقه ثمن هذه المنافسات . ولعله لم يرغب ان يكون تقليديا حين ألف كتابه ، بل رغب في أن يقدم عملا مفيدا أو مسليا في آن واحد ، مخالفا بذلك ما كان يدور في بعض حلقات القصر . إن الصولي يعطينا فكرة واضحة عن الأجواء الثقافية التي كانت تسود القصر في مطلع القرن الرابع .

--> ( 57 ) - باب سنن الظرف ، 113 .