محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
21
الظرف والظرفاء
سوسيولوجية كما شاء أن يعالجها الجاحظ ، ولا قضية وجدانية ونفسية كما عالجها ابن داود الظاهري ، بل هي مسألة أخلاقية ، من حيث تأكيدها على العفاف والابتعاد عن القيان ورفض المثلية الجنسية . وإذا ما أصرّ على ضرورة الحب ، فإنه يراه حاجة جسدية واجتماعية متصلة بنصائح طبية للوصول إلى النقاء الذي يجعل الانسان متصلا بمجتمعه ، وفي ضوء هذا الموقف نفهم قصة سلامّة والقس . فسلّامة هي التي لفتت عبد الله القس إلى أنه لا يعيش حياة سليمة . فالانسان يجب أن يكون مندمجا في مجتمعه ، مشاركا معطاء ، وليس محبا تدور عواطفه حول الأنا . فالهو يجب أن نعرف كيف نتصل به . وهذا المفهوم يقترب جدا من مفهوم الفتوّة . لقد كان الوشاء سباقا في هذا المضمار . إن وقوفه عند قصص الحب لم يكن عفويا . وما اكتسب شكل النظرية عند ابن الجوزي وابن قيم الجوزية الحنبليين فيما بعد ، إنما يستند إلى مرويات الوشاء وإلى آرائه . والمقارنة الأولية بين آرائهما تبين لنا الفقرات والافكار التي نقلاها عنه ، والتي نلمسها في ( ذم الهوى ) و ( روضة المحبين ) و ( أخبار النساء ) . غير أنهما اسبغا في مواقفهما الفقهية على مروياتهما . والمقارنة بين دارسي الحب تظهر الوشاء فريدا . فابن داود عرض لتجليات الحب الكامل أو ما يمكن تسميته الحب في التمام . فيما يبدو الوشاء أنه يحاول رسم صورة الانسان الكامل أو الانسان في التمام . والانسان الكامل عند الوشاء غيره عند الصوفية ، فهو عنده انسان اجتماعي ، فيما شاءه أولئك انسانا ربانيا . وهذا يبرز في اعمال الصوفية المخصصة للحب مثل ما ورد عند ابن عربي في محاضرة الأبرار ، أو عند ابن الدباغ في مشارق الأنوار أو عند ابن الخطيب في روضة التعريف بالحب الشريف . فهل كان الوشاء يريد لعمله ان يكون مرحلة من مراحل الفتوة ، أم تطويرا لمفاهيم الفروسية العربية إلى فروسية اسلامية ؟ هذا السؤال يقودنا إلى البحث في ما كان عليه الظرف قبل الوشاء . يعزى ظهور الظرف إلى الوليد بن يزيد ( الوليد الثاني توفي 126 / 744 ) أو ما قبل عهده . وتشير الروايات إلى ولع الوليد بالخمر والغناء والاستهتار وانه استقدم إليه شاعرين مشهورين في هذا الباب : حماد عجرد ومسلم بن الوليد ( صريع