محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء

17

الظرف والظرفاء

لقد سلك محمد بن داود طريقا خاصا ، وحاول ايجاد اطار للحب ، يضم البواعث إلى المظاهر أو العلامات إلى النتائج ، ليخلص إلى بناء نظرية للحب « 37 » . لكن هذه النظرية تبدو غير متماسكة ، فهي مبنية على أقوال مأثورة ، ربما كانت شائعة في أدب الحب ، يسوق بعدها شواهده الشعرية . ويبدو من عرض ابن داود أنه يرسم للحب صورة وجدانية راقية . ولعل هذا مرتبط بحياته الثقافية والفيزيولوجية والسلوكية . فهو فقيه ظاهري ، إمام ابن إمام ، يرفض القياس والاجتهاد . وذلك يعني أنه يعالج قضية الحب الثابتة ، كما تصورها أو كما ورثها ، أي بما يشبه مذهب الحب للحب . وهذا ما أرادنا أن نعلمه عنه إذ يقول : « ما انفككت من هوى منذ دخلت الكتّاب بدأت بعمل كتاب الزهرة وأنا في الكتّاب ، ونظر أبي في أكثره » . ويرتبط بهذا المفهوم ، حبه كما قيل ، لمحمد بن جامع أو ابن زخرف أو وهب بن جامع العطار الصيدلاني . أما الناحية الفيزيولوجية فتشير إليها المصادر التي تتحدث عن نحافته وصفرة لونه ، والتي من أجلها لقب بعصفور الشوك . ونلاحظ في مفهوم الحب عند ابن داود ، اتصاله بآراء قديمة أعاد تنسيقها . ومن أركان هذا المفهوم قوله بأسباب بعيدة للحب يحكمها القدر : « الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تنافر منها اختلف » . ثم يقترح تفسيرا فلكيا حيث تتحكم الأبراج في اتفاق الأرواح ، كما يلجأ إلى الطب ليدعم رأيه . ويرى ابن داود مراتب للحب تبدأ من السماع والنظر وتنتهي بالوله الذي هو قمة الحب . والمطلب الرئيس في نمو نظرية الحب عنده ، هو العفة . وما افتقر إليه عمل محمد بن داود من التماسك النظري ، سوف يقوم به فقيه ظاهري آخر ، هو ابن حزم الأندلسي في « طوق الحمامة » ، وفي هذا العمل يعيد ابن حزم بناء نظرية الحب استنادا إلى تجربة ذاتية يسجلها في عمل فني متكامل .

--> ( 37 ) - كتب محمد حسن عبد اللّه دراسة قيمة عن ( الحب في التراث العربي ) ، عالم المعرفة ، عدد 36 ، الكويت ، 1980 . وفي هذا المجال تستوقفنا مجموعة من أشعار العرب في الحب ، جمعها أحمد تيمور ( الحب والجمال عند العرب ) وفيها ينحو منحى صاحب الزهرة في محاولة بناء نظرية متكاملة عن الحب .