محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
16
الظرف والظرفاء
المعتزلة وبين المدينة الاسلامية حيث تحتشد الطاقات الثقافية وما يهمنا إيضاحه هنا ، هو أن المعتزلة بمناداتهم بأهمية العقل كانوا يقفون صراحة ضد ما يشبه أعمال السحرة . وفي نظرتهم للمرأة تخلّو ، كما رأينا عند الجاحظ ومن تأثر به ، عن نظرية المرأة التابو ، أو السر المغلق الذي لا يحل إلّا بالسحر . وما الاحصاءات التي قدمتها « الرسالة البغدادية » أو « الامتاع والمؤانسة » عن عدد المغنيات والمغنين في حانات بغداد إلا مساهمة في تثبيت نظرية الجاحظ في أن المرأة وعلاقتها بالرجل ليست سرا مغلقا « 35 » . ب - ويشارك أخوان الصفاء ( حوالي 260 ه ) برسالة باهتة في مناقشة مسألة الحب « 36 » . وفيها يبدو تأثرهم بالفلسفة اليونانية ، سواء في عرضهم لماهية الحب ، أو لأسباب العشق ، أو في قبولهم لتأثير النجوم على أنواع النفوس ، أو قولهم بتغيّر أحوال العشاق بتأثير الكواكب أو بدرجة الطالع في حدود الأبراج . وفي هذه الرسالة نلمس تبنّيهم للحب الافلاطوني ، وجهرهم في تطبيق مقولات الفلسفة اليونانية في مجال دراسة النفس الانسانية على مجتمعات متباينة البيئات . ويقرر الأخوان أخيرا ان الأمم التي لا تتعاطى العلوم والصنائع والأدب ، فإنه قلما يوجد فيهم ولا في طباعهم الرغبة في الغلمان والمردان . وربما يمكننا أن نعزو عدم نجاح الاخوان في هذا الموضوع ، كونهم أولا أصحاب دعوة سياسية ، لكن رغبتهم في بناء نظرية شاملة حول الكون جعلتهم يعالجون هذا الموضوع بمواد مستعارة من الفكر اليوناني ، دون أن تكون لهذه المعالجة أصالتها وتراثها . ج - وكان محمد بن داود معاصرا آخر للوشاء ( توفي ابن داود 297 ه عن اثنين وأربعين عاما ) ، وهو صاحب عمل خصص القسم الأول منه للحب . كان فقيها ظاهريا وهو ابن مؤسس المذهب الظاهري . ويتألف القسم الأول من « الزهرة » من خمسين بابا يذكر فيها جهات الهوى وأحكامه وتصاريفه وأحواله .
--> ( 35 ) - انظر مثلا ، القصص التي يوردها الجاحظ حول إباحة الكلام مع المرأة أو الأحاديث عن أدب الفراش ، ولا تخرج عن هذا الإطار مزاحمة الغلمان للجواري في العلاقات الجنسية . ( 36 ) - رسائل اخوان الصفاء ، الرسالة 37 ، 3 : 269 - 286 ، طبعة صادر .