محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء

15

الظرف والظرفاء

ويعتبرها ضحية الوضع الاجتماعي « 31 » . اما رسالة « المفاخرة بين الجواري والغلمان » « 32 » فهي تعكس جانبا من حياة التهتك في مجتمع المدينة العباسية ، كما تعرض لونا من الجدال البارع بين أنصار كل من محبذي الجواري والغلمان ، وتبين مدى المنافسة التجارية التي كانت قائمة بين هاتين السلعتين من سلع المتعة غير البريئة . وفي عمل أخير « المحاسن والأضداد « 33 » » يتطرق المؤلف إلى معالجة جديدة . فهو هنا يتناول موضوع المرأة بكليته ، الحرة والأمة سواء . وفيه يعرض لما ينتابها من العفة والغيرة والقيادة والخيانة الخ . . هذا الشكل من المعالجة لموضوعات خاصة ، إنما كان متنفسا للجاحظ للتعبير عن اعتزاله الذي لم يتركه « 34 » ، وبخاصة بعد أن قام المتوكل بابطال المحنة ورفع الغطاء السياسي عن المعتزلة ، والسماح لأهل الحديث بممارسة نشاطهم بقوة . إلا أنّ هذه التقية سوف تعود لتظهر في أعمال المعجبين بالجاحظ ، ولكن لتتناول هذه المرة الموضوع بشكل مباشر ، وتحدد مدى النجاح الذي أحرزته المدينة الاسلامية ، ممثلة ببغداد ، في تمثل مقومات حياة المدينة ، فكانت « الرسالة البغدادية » المنسوبة لأبي حيان التوحيدي وهي نفسها « حكاية أبي القاسم البغدادي » المنسوبة لأبي المطهّر الأزدي . نحن لا نعرف ما إذا كان أبو حيان قد اعتنق الاعتزال ، ولكننا نعرف أنه عاش في العصر البويهي الذي شجع الاعتزال . وأن يكون اهتمام المعتزلة منصبا على المدينة ، فذلك أمر طبيعي . إذ أن الاعتزال ، بوصفه عقيدة جلّ رجالها من أبناء المدن ، كان بالتالي ابن البيئة الأكثر تقدما في مجال الثقافة ، وهذا يفسره انتقال مراكز الاعتزال من البصرة إلى بغداد ثم إلى مدن المشرق مثل الري أو نيسابور . وما لاحظه الرحالة العرب يبين انتعاش المعتزلة في المراكز الحضارية ويوضع العلاقة الوثيقة بين

--> ( 31 ) - رسائل الجاحظ ، باعتناء هارون 2 : 139 . ( 32 ) - المصدر نفسه 2 : 87 . ( 33 ) - إن هذا العمل منسوب للجاحظ ، والشك مصدره ورود بعض المعلومات التي قد تكون من عمل الناسخين . ( 34 ) - أسوق هنا مثلا على تستره على عقيدته في الاعتزال ، وهي قصة المرأة التي قادته إلى نقاش لينقش لها على خاتمها صورة الشيطان الذي يشبهه الجاحظ . هذه القصة لا تدل على مذهبه في السخرية ، كما يشاء البعض أن يقول ، لكنها تدل على السخرية من المشبهة الذين هم في نظره من العامة . انظر مثلا : ( رسالة في نفي التشبيه ) .