محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
149
الظرف والظرفاء
فلو كنت المريض لجئت أسعى * إليك ، ولم ينهنهني القعود قال : فسمعت كلامه ، فبادرت نحوه ، وبدرنها النساء ، فتعكّفن بها ، فأحسّ بها ، فوثب مبادرا نحوها ، فحبسه الرجال ، فجعلت بجذب نفسها من النساء ، ويجذب نفسه من الرجال ، حتى التقيا ، فاعتنقا ، وبكيا ، ثم شهقا فخرّا ميتين . فخرج شيخ من بعض الأخبية فوقف عليهم ، فاسترجع ، ثم قال : رحمكما اللّه ، أما واللّه لقد كنت لم أجمع بينكما في حياتكما ، لأجمعنّ بينكما بعد موتكما . فأمر بهما ، فكفّنا في كفن واحد ، ودفنا في قبر واحد ، فسألت عنهما فقال : هذه بنتي ، وهذا ابن أخي ، بلغ بهما الحبّ ما ترى . « [ 119 ] » ومن ذلك أيضا ما حكي عن إسحاق الرافقي قال : كنت في مجلس بالرّقّة « 1 » في عدّة من الظّرفاء وجماعة من القيان ، ومعنا فتى كأهيأ من رأيت من الفتيان ، وعليه أثر ذلّة الهوى ، يديم الأنين والبكاء « 2 » ، فتغنّت إحداهنّ « 3 » : [ من الكامل الأحذّ ] إني لأبغض كلّ مصطبر * عن إلفه في الوصل والهجر الصّبر يحسن في مواطنه ، * ما للفتى المحزون والصبر فنظر إليها الفتى ؛ وتبادرت عبراته ، ثم وثب على قدميه ووضع يده على رأسه وقال : [ من الطويل ] غدا يكثر الباكون منّا ومنكم ، * وتزداد داري من دياركم بعدا ثم رمى بنفسه ، فسقط مجدّلا من قامته ، فوثبنا إليه فحملناه ميتا .
--> ( [ 119 ] ) . . . ( 1 ) الرقة : أصله كل أرض إجنب واد ينبسط عليها . وهي مدينة مشهورة من بلاد الجزيرة ( معجم البلدان 3 : 59 ) . ( 2 ) القصة في ذم الهوى 569 . ( 3 ) الأبيات في ذم الهوى 569 دون نسبة .