محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
147
الظرف والظرفاء
وإني لمشتاق إلى ريح جيبها ، * كما اشتاق إدريس إلى جنّة الخلد فغنته ، فقال سليمان : قل ! قال : تأمر لي برطل ، فأمر له برطل ، فشربه ، ثم قال : تغنّي بقول جميل « 9 » : [ من الطويل ] علقت الهوى منها وليدا ، فلم تزل * إلى اليوم ينمي حبّها ويزيد وأفنيت عمري بانتظاري نوالها ، * وأبلت بذاك الدهر ، وهو جديد فلا أنا مردود بما جئت طالبا * ولا حبّها فيما يبيد يبيد إذا قلت : ما بي يا بثينة ، قاتلي * من الحبّ ، قالت : ثابت ويزيد فتغنت فقال سليمان : قل . قال : تأمر لي برطل ، فأتي برطل ، فشربه ، ثم قال : تغنّي بقول قيس بن ذريح « 10 » : [ من الطويل ] لقد كنت حسب النّفس لو دام ودّها * ولكنّما الدّنيا متاع غرور وكنّا جميعا قبل أن يظهر النّوى ، * بأحسن حالي غبطة وسرور فما برح الواشون حتّى بدت لنا * بطون الهوى مقلوبة لظهور فتغنّت ، فقال له : قل ! قال : تأمر لي برطل ، فما استتمّه حتى وثب إلى أعلى قبّة سليمان ، ثم زجّ بنفسه على دماغه ، فمات ، فقال سليمان : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، أتراه الجاهل ظنّ أنني أخرج إليه جاريتي ، فأردّها إلى ملكي ! خذوا بيدها فانطلقوا بها إلى أهله ، إن كان له أهل ، وإلا فبيعوها ، وتصدّقوا بها عنه ، فلمّا انطلقوا بها نظرت إلى حفرة في دار سليمان قد أعدّت للمطر ، فجذبت نفسها ، وأنشأت تقول « 11 » [ من السريع ] من مات عشقا فليمت هكذا ، * لا خير في العشق بلا موت وزجّت بنفسها في الحفرة على دماغها ، فماتت . فسرّي عن محمد ، وأحسن صلة الجاحظ .
--> ( 9 ) ديوان جميل 15 وما بعدها باختلاف يسير . ( 10 ) الأبيات لقيس بن ذريح في فوات الوفيات 3 : 208 . ( 11 ) في الوفيات 3 : 473 ، وفي الزهرة 353 .