محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء

143

الظرف والظرفاء

واللّه ما شربة من ماء غادية ، * إذا ظمئت ، وكرب الموت يغشاني ألذّ من شربة من فيك أجرعها ، * تلك الشّفاء لقلب الهائم العاني وروي أن عمر بن أبي ربيعة قال : أتتني امرأتان في أيام غزلي ، فجعلت إحداهما تسرّ إليّ سرّا ، والأخرى تعضّني ، فما شعرت بعضّة هذه من لذة سرار هذه . ودخل كثيرّ على عبد الملك بن مروان فقال : يا كثيرّ ، حدّثني ببعض أخبار جميل ! فقال : نعم ، يا أمير المؤمنين ، لقيت جميلا ذات يوم ، فقال : هل لك في المسير معي نحو بثينة ؟ قلت : نعم ، فسايرته ، حتى دنا من موضعها ، فقال : تصير إليها ، فتعلمها بمكاني ، فمضيت ، فأعلمتها ، فأقبلت في نسوة من الحيّ ، فلما رأينه انصرفن عنها ، وتنحّيت عنهما . فلم يزالا من أوّل الليل إلى أن رهقهما الصبح قائمين في أقدامهما ، فلما عزما على الافتراق قالت : ادن مني يا جميل . فدنا منها ، فأسرّت إليه سرّا ، فخرّ مغشيّا عليه فما أيقظه إلا حرّ الشمس ، فأفاق ، وأنشأ يقول « 3 » : [ من الطويل ] فما ماء مزن من جبال منيفة ، * ولا ما أكنّت في معادنها النّحل بأشهى من القول الذي قلت بعدما * تمكّن في حيزوم ناقتي الرّحل وقال جرير أيضا « 4 » : [ من الكامل ] ولقد رمينك يوم رحن بأعين ، * يقتلن من خلل السّتور ، سواجي « 5 » وبمنطق شغف الفؤاد كأنّه * عسل يجدن به بغير مزاج وقال الفرزدق « 6 » : [ من الطويل ] إذا هنّ ساقطن الحديث ، كأنّه * جنى النّحل ، أو أبكار كرم تقطّف

--> ( 3 ) ديوان جميل 80 . ( 4 ) ديوان جرير 73 . ( 5 ) السواجي : مفردها الساجية وهي الساكنة والناعسة والفاترة . ( 6 ) ديوان الفرزدق 2 : 23 ، وفيه اختلاف يسير .