محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء

14

الظرف والظرفاء

الفرق الأساس بين الفتوة وما تشابه بها من المروءة ، ألا وهو لبس الخرقة وشد الثقاف « 27 » . وهو بذلك يسجل تطور الفتوة من الظرف أو الفتوة القديمة إلى الفتوة الجديدة التي هي مؤسسة لها حدودها وتقاليدها وطقوسها . 3 - شكّل الحب أحد أركان الظرف . وللتعبير عن شديد تقديره للحب سلك الوشاء سبيل رواية القصص والمأثورات والآراء الشخصية المبنية على تجارب خاصة ، حتى باتت المادة التي جمعها في هذا المجال ، تشكل القسم الهام من عمله . بما يخدم اغراضه التي اعلنها في كتابه من أنه يقدمها « لهوا لمن أراد سماعه ، وعلما لمن أراد اتباعه ، وهديا لمن أراد رشده . . . وطيبا لمن أراد شمه ، وأدبا لمن أراد فهمه » « 28 » . وكأنما أراد أن يجعله واحدا من منتزهات القلوب « 29 » . وقصص الحب في ( الظرف ) مسبوقة بتراث عربي عريق . ولعل أهمها القصص الشائعة عن كبار المحبين مثل مجنون بني عامر وعبد الله القس وجميل بثينة وكثيرّ عزّة وغيرها من قصص العشاق الذين أورد الوشاء أسماءهم . إلا أنّ الموضوع يدور حول الحب العفيف ونقض كل ما هو مخالف له . وهنا يلتقي الوشاء بأعمال من سبقوه ، ولا بأس أن يكون هذا اللقاء سلبيا أو ايجابيا . أ - وإذ كانت المرأة الطرف الرئيس في موضوع الحب ، فإن الجاحظ كان سباقا في هذا المضمار . فقد لفت نظره ما اعترى وضع المرأة من تغيير في مجتمع متغير ، وبوجه أخص بعد أن أصبح للمرأة دورها باتساع تجارة الرقيق وانتشار الأندية والحانات التي تلتقي فيها القيان براغبيها . وفي هذا المجال وضع رسالة في « العشق والنساء » « 30 » . ويبدو لنا التشويش الذي يشوب هذه الرسالة الذي تطالعنا به قراءة الفقرة الأولى منها . ولعل رسالته في « القيان » ، تقوم بشكل أوفى ، بدراسة القيان داخل الأندية وبدراسة القينة من داخل . وفي هذه الرسالة يضع الجاحظ القينة بين سلع التجارة السائدة ،

--> ( 27 ) - الفتوة 149 . ( 28 ) - باب الحث على كتمان السر ، 111 ( 29 ) - اعتبر الوشاء كتابه من متنزهات العقول . وفي معجم الأدباء 6 : 493 إن متنزهات القلوب هي عيون الأخبار للقتيبي ، والزهرة لابن داود ، وقلق المشتاق لابن أبي طاهر . ( 30 ) - رسائل الجاحظ ، 147 ، دار النهضة الحديثة ، بيروت .