محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء

128

الظرف والظرفاء

تخطىء فيه الفراسة ، ولا تكذب فيه العيافة ، لما أخبرتك من غلبة أحد المزاجين على صاحبه ، وابتناء قراره في مركّبه ، وربما أنجب السّمن وخاب الهزال ، ولا يكون ذلك إلا في الفرد الشاذّ من الرجال . ومن أمثال العرب في ذلك : البطنة تذهب الفطنة « 4 » . وروي أن جميل بن معمر العذري صحبه رجل من عذرة وكان بطينا أكولا ، فجعل يشكو إليه هوى ابنة عمّ له ، فأنشأ جميل يقول « 5 » : [ من الطويل ] وقد رابني من جعفر أنّ جعفرا * ملحّ على قرص ، ويشكو هوى جمل فلو كنت عذريّ الهوى لم تكن كذا * بطينا ، وأنساك الهوى كثرة الأكل « [ 105 ] » ومن عشق عندهم ، فلم ينحل جسمه ، ولم يطل سقمه ، ويتبيين الخشوع في حركته ، والذّلّ في نغمته ، نسبوه إلى فساد الطبع ، ونقصان اللبّ ، وبعد الفهم ، وموت القلب . ومن ادّعى المحبة ، فلم ينحل ، ولم يسهر ، ولم يخشع ، ولم يذلّ ، ولم يخضع ، ولم يحمل نفسه على الأمور المتعبة والشدائد الفظيعة ، ويركب فيها المراكب الوعرة ، ويتقدّم على الأشياء المهولة والأهوال المخوفة التي يلاقي فيها الموت ، ويعاين فيها الفوت ، ويباشر فيها الهلكة ، ويغرّر فيها بالمهجة ، ويصبر منها على حتفه ، ويخاطر بنفسه ، ويرد الموارد التي يلاقي فيها الموت ويشرف منها على مهول الأمر الذي فيه تلفه وحينه ، وحتى يعصي في هواه الأقارب ، ويعالج فيه العجائب ، فيكون كما قال العرجيّ « 1 » : [ من الكامل ] كم قد عصيت إليك من متنصّح ، * داني القرابة ، أو وعيد أعادي

--> ( 4 ) المثل في فصل المقال 409 وفي لسان العرب 13 : 19 ( أفن ) ، وفي أخبار النساء 62 . ( 5 ) ديوان جميل 127 . ( [ 105 ] ) . . . ( 1 ) العرجي : عبد اللّه بن عمر بن عمرو بن عثمان ( توفي 120 ه ) : شاعر غزل مطبوع . كان من الأدباء والظرفاء ومن الفرسان المعدودين لقب بالعرجي لاقامته في قرية العرج بالطائف ( الأغاني 1 : 396 ، الأعلام 4 : 109 ، الشعر والشعراء 481 ، معاهد التنصيص 3 : 172 ) .