محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
120
الظرف والظرفاء
وقيل لكثيّر عزّة : هل نلت من عزّة شيئا طول مدتك ؟ فقال : لا واللّه ، إلا أنّه ربّما كان يشتدّ بي الأمر ، فآخذ يدها ، فأضعها على جبيني فأجد لذلك راحة . « [ 96 ] » وقال أعرابي ، وخلا بامرأة كان يتعشقها : ما زال القمر يرينيها ، فلما غاب أرتنيه ، قيل : فما كان بينكما ؟ قال : أقصى ما أحلّ اللّه وأدنى ما حرّم اللّه عز وجل ، إشارة في غير باس ، ودنّو في غير مساس ، وأنشأ يقول « 1 » : [ من الكامل ] ولربّ لذّة ليلة قد نلتها ، * وحرامها بحلالها مدفوع قال أعرابي من فزارة « 2 » : عشقت جارية من الحي ، فحادثتها سنين كثيرة ، واللّه ما حدّثت نفسي بريبة قطّ ، سوى أن خلوت بها ، فرأيت بياض كفّها في سواد الليل ، فوضعت كفي على كفّها ، فقالت : مه ! لا تفسد ما صلح . فارفضّ جبيني عرقا ، ولم أعد . « [ 97 ] » [ معنى الظرف ] واعلم أن الظّرف ليس بمستغنى عنه ، ولا هو مما يخلّ منه ، ولا يعنّف فيه صاحبه ، ولا يفنّد عليه طالبه . بل هو أنبل ما استعمله العلماء وصبا إليه الأدباء وتزينوا به عند أودّائهم ، وتحلّوا به عند أخلّائهم . وربما تكلّفه قوم ليس من أهله فظرف ، وعاناه فلطف ، وأنه من المطبوعين أحسن منه من المتكلّفين . وللمتكلّف علامات تظهر في حركاته وتبين في لحظاته ، لا يسترها بتصنّعه ، ولا تتغيّب بتستّره . وإن المطبوع على الظّرف ليشهد له القلب ، عند معاينته ، بحلاوته ، وتسكن النفس عند لقائه إلى مجالسته ، وتصبو إلى محادثته ، وترتاح إلى مشاهدته ، وهو بيّن في شمائله ، ظاهر في خلائقه ، بيّن في منطقه ، غير مستنر عند صمته . دلائله واضحة
--> ( [ 96 ] ) . . . ( 1 ) البيت في بهجة المجالس 1 : 648 لابن هرمة . وهو في ديوان الصبابة 179 . ( 2 ) فزارة : بطن من ذبيان من غطفان من القحطانية ( النويري ، أنساب العرب 359 ) . ( [ 97 ] ) . . .