يحيي بن حمزة العلوي اليمني
87
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
« المثال الأول » في الأسماء وهذا كقوله تعالى : الْحَيُّ الْقَيُّومُ [ البقرة : 255 ] فإنه أبلغ من قائم وقوله تعالى : عَلَّامُ الْغُيُوبِ ( 48 ) [ سبأ : 48 ] فإنه أبلغ من عالم وقوله تعالى : مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] فإنه أبلغ من قادر ونحو قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) [ البقرة : 222 ] فإن فعالا أبلغ من فاعل ، ومتطهر أبلغ من طاهر ؛ لأن التواب هو الذي تتكرر منه التوبة مرة بعد أخرى ، وهكذا المتطهر ، فإنه الذي يكثر منه فعل الطهارة مرة بعد مرة ، هكذا القول فيما كان مشتقا من الفعل ، فإن زيادة لفظه دالة على زيادة معناه قال أبو نواس : فعفوت عنى عفو مقتدر * جلّت له نقم فألغاها ولم يقل قادر ، مبالغة في الأمر ، وهكذا حال الأوصاف الجارية على الله تعالى إذا عدل بها عن منهاج الاشتقاق على جهة المبالغة ، وحكى ابن الأثير عن جماهير النحاة أنهم يقولون إن « عليما » أبلغ من عالم ، واستضعف هذه المقالة ، وزعم أن الأمر على خلاف ذلك وأن عالما أبلغ من عليم ؛ لأن عالما متعد وعليم غير متعد ، فلهذا كان أبلغ لما ذكرناه ، فأما عدة أحرفها فهي سواء ، وهذا الذي ذكره فاسد ، فإن الدلالة على بلاغة « عليم » ليس من جهة عد الأحرف ولا من جهة التعدي واللزوم ، فيصح ما ذكره ، وإنما حصلت المبالغة فيه من جهة الاستعمال ؛ لأنهم لا يستعملونه إلا في مواضع البلاغة ، بخلاف قولنا عالم ، فبطل ما توهمه . المثال الثاني في الأفعال وهذا كقوله تعالى : فَكُبْكِبُوا فِيها [ الشعراء : 94 ] فإنه مأخوذ من الكب وهو القلب ، لكنه كرر الباء للمبالغة فيه ، ومن هذا قوله تعالى : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [ البقرة : 286 ] وهذا من لطف الله ورحمته ، فإنه جعل الثواب على أدنى ملابسة للطاعة ، فلهذا أتى فيه بالثلاثى المجرد ، وجعل العقاب على مزاولة عظيمة للفعل ، وعلاج ، فلهذا خصه ببناء المبالغة بالزيادة على الثلاثي ، ومن هذا قوله تعالى : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ [ البقرة : 137 ] ولو قال : فكفاك إياهم لم يكن فيه بلاغة ، وهكذا قولهم : اخشوشن ، في خشن ، واعشوشب المكان ، إذا أعشب وكثر شجره ، وإنما عدل عن بنائه الثاني للمبالغة في ذلك المعنى .