يحيي بن حمزة العلوي اليمني
74
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
المستقبل ، وهما خبران إلى الإنشاء ، وهو فعل الأمر ، وهاهنا أخبار كلها ، المنتقل عنه ، والمنتقل إليه ، وذلك يأتي على وجهين . الوجه الأول : [ الانتقال عن الماضي إلى المضارع ] ، ومثاله قوله تعالى : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ( 9 ) [ فاطر : 9 ] فوسّط قوله : فَتُثِيرُ سَحاباً ، وجاء به على جهة المضارعة والاستقبال بين فعلين ماضيين ، وهما قوله : أَرْسَلَ ، فَسُقْناهُ ، والسر في مثل هذا ، هو أن الفعل المستقبل يوضح الحال ، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن الإنسان يشاهدها ، وليس كذلك الفعل الماضي إذا عطف ؛ لأنه لا يعطى هذا المعنى ولا يدل عليه ، فإذا قال فتثير ، على جهة الاستقبال بعد ما مضى قوله : « أرسل » . فإنما يكون دالا على حكاية الحال التي تقع فيها إثارة الريح للسحاب ، واستحضار لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة ، وكذلك تفعل فيما هذا حاله ، فإنك تقرره على هذا الضابط ، وهكذا ورد قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ الحج : 25 ] وإنما جاء به على صيغة المضارع ، وعدل عن عطف الماضي على الماضي تنبيها على أن كفرهم ثابت مستمر غير متجدد ، بخلاف الصّد ، فإنه متجدد على ممر الأوقات ، وتكرر الساعات ، فلهذا جاء به على صيغة المضارع ، منبها على ذلك . ومن هذا النوع قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [ الحج : 63 ] ولم يقل « فأصبحت » عطفا على أَنْزَلَ ، إشارة إلى أن إنزال الماء قد انقضى ومضى ، واخضرار الأرض متجدد كما تقول « أنعم عليّ فلان ، فأروح وأغدو شاكرا له » ، ولو قلت « فغدوت شاكرا له » لم يفد تلك الفائدة . لا يقال : فهب أن الفعل جاء مضارعا من أجل التنبيه على الذي ذكرتموه فأراه لم يكن منصوبا جوابا للاستفهام بالهمزة في قوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ وعدل به عن القياس المطرد وهو النصب ، لأنا نقول : النصب إنما يكون إذا كان الأول سببا للثاني كقولك : « أتقوم فأقوم » وهاهنا ليست الرؤية سببا في كون الأرض تصبح مخضرة ، فلهذا وجب رفعه للدلالة على أنها تكون مخضرة عقيب الإنزال للماء عليه من غير إشارة إلى السببية ، وعلى هذا يكون المعنى فيه نهاية البلاغة . ومما ينخرط في هذا السلك : ما روى من حديث الزبير بن العوام في غزوة بدر فإنه قال : لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص وهو على فرس وعليه لأمة كاملة لا يرى منه إلا عيناه ، وهو يقول أنا أبو ذات الكرش ، وفي يدي عنزة فأطعن بها في عينه فوقع ، ثم