يحيي بن حمزة العلوي اليمني
69
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ضبطها ، فأين هذه عما أثر عن العرب من قولهم « القتل أنفى للقتل » . وقد تميزت الآية عنه بوجوه ثلاثة ، أما أولا فلأن قوله : الْقِصاصِ حَياةٌ لفظتان ، وما نقل عنهم فيه أربع كلمات . وأما ثانيا فالتكرير فيما قالوه ، وليس في الآية تكرير ، وأما ثالثا فلأنه ليس كل قتل نافيا للقتل ، وإنما يكون نافيا إذا كان على جهة القصاص ، وكم في القرآن من هذا القبيل . « المثال الثاني » ما ورد عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا كقوله عليه السلام « الخراج بالضّمان » . والسبب في ذلك هو أن رجلا اشترى من غيره عبدا فأقام عنده مدة ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول الله ، إني أستغل عبدي . فقال : « الخراج بالضمان » ومعنى هذا أن غلّته تكون للمشترى ، لأنه لو تلف قبل الرد كان تالفا من ضمانه ، فلهذا كان ضمانه عليه ، ومن هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » ومعنى قوله : « لا ضرر » أي لا ينبغي لأحد أن يضر غيره ، ومعنى قوله : « لا ضرار في الإسلام » أنه لا ينبغي لك أن تضر أحدا ، ولا ينبغي له أن يضرك . ومن هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء ، وعوّدوا كلّ جسم ما اعتاد » فهذه الألفاظ الثلاثة قد جمعت من المعاني الحكمية ، والأسرار الطيبة ، ما لا يحيط بوصفه إلا الله . ومن هذا قوله عليه السلام « الطمع فقر واليأس غنى » فهذا من جوامع الكلم التي خصّ بها . « المثال الثالث » ما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه من الكلام القصير كقوله عليه السلام من عرف نفسه فقد عرف قدره ، من فكّر في العواقب لم يشجع ، الناس أعداء لما جهلوا ، من استقبل وجوه الآراء عرف وجوه الخطاء ، من أحدّ سنان الغضب لله قوى على قتل أسد الباطل ، وقوله : إذا هبت أمرا فقع فيه ، فإنّ وقوعك فيه أهون من توقّيه ، آلة الرّئاسة سعة الصدر ، الطمع رق مؤبّد ، ثمرة التفريط الندامة ، وقال عليه السلام أغض على القذى ، وإلّا لم ترض أبدا ، وقال : لكل مقبل إدبار ، وما أدبر كان كأن لم يكن ، لا يعدو من الصبور الظّفر وإن طال به الزمان ، إلى غير ذلك من الكلمات القصيرة التي قصرت أطرافها وفاتت العد في معانيها . « المثال الرابع » ما أثر عن أهل البلاغة قال بعض الأعراب : اللهم هب لي حقك ، وأرض عنى خلقك ، فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : هذا هو البلاغة ، وكما أثر عن الحريري في مقاماته استعمال المداراة ، توجب المصافاة ، وقوله ملك الخلائق شين الخلائق ، التزام الحزامة ذمام السلامة ، تطلب المثالب من المعايب ، عند الأوجال ، يتفاصل الرجال ،