يحيي بن حمزة العلوي اليمني

48

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

كان مع الإبهام من الفخامة ، وعلى نحو هذا ورد قوله تعالى : قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ( 36 ) [ طه : 36 ] إلى أن قال إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى ( 38 ) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ [ طه : 38 - 39 ] فسر قوله : ما يُوحى ( 38 ) بقوله : أَنِ اقْذِفِيهِ ، فحصل فيه من البلاغة ما ترى ، ومن هذا قوله تعالى : فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً [ العنكبوت : 14 ] وقوله تعالى : وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 38 ) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ إلى قوله بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) [ غافر : 38 - 40 ] ألا ترى أنه أبهم الرشاد كيف حاله ، ثم أوضحه بعد ذلك بأن افتتح كلامه بذم الدنيا وتحقير شأنها ، وتعظيم حال الآخرة والاطلاع على كنه حقيقتها ، ثم ذكر الأعمال حسنها وسيئها وعاقبة كل شيء منها ، ليرغب في كل حسنة ويزهد عن كل سيئة ، فكأنه قال : سبيل الرشاد ما اشتمل عليه هذا الشرح العظيم المحيط بالترغيب فيما يزلف والانكفاف عما يوهى ويتلف . ومن السنة الشريفة قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أنبئكم بأمرين ؛ خفيفة مئونتهما ، عظيم أجرهما ، لن يلقى الله بمثلهما » . ثم قال بعد ذلك تفسيرا لهما : « الصمت وحسن الخلق » . وقوله عليه السلام : « ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه تحاببتم » ، قالوا : نعم ، قال : « أفشوا السلام » ، فانظر إلى تفسير ما أبهم في هذين الخبرين ، ما أعظم ما اشتمل عليه من البلاغة ، وفي حديث آخر « ألا أدلكم على أخسر الناس صفقة » قالوا : نعم ، قال : « من باع آخرته بدنيا غيره » . ولهذا باب واسع الخطو في القرآن الكريم والسنة النبوية ، فإن أمرهما مبنى على البلاغة ، وهذا الباب موقع عظيم في الدلالة عليها . ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه : « إنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع » . فسئل عليه السلام عن معنى قوله هذا ، فجمع أصابعه ، ووضعها بين أذنيه وعينيه ، ثم قال : « الباطل أن تقول سمعت ، والحق أن تقول رأيت » فليتأمل المتأمل هذا الإبهام اللطيف الذي يعجز عنه أكثر الخليقة ، ولا يدرى بكنهه إلا من رسخت قدمه في علم البلاغة ، ولقد سبق أمير المؤمنين إلى غايتها وما صلّى ، وفاز فيها بالنصيب الأوفر والقدح المعلى ، وبرز فيها على الأقران ، وفاز بالخصل من بين سائر الفرسان .