يحيي بن حمزة العلوي اليمني

46

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

« أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما . وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما » فهذا من رشيق الإبهام وبديعه ، ومن عجيب أمره ، ودقيق سره ، أنه أمره بالاعتدال في حالتي الحب والبغض ، ومجانبة الإفراط والتفريط ، فقال : أحبب حبيبك على الهون من غير إفراط في حبه ، فلعلك أن ترجع عن ذلك في بعض الأيام وإن قل ، فأتى بالهون منكرا مبهما وباليوم منكرا مبهما ، ليدل بهما على شدة المبالغة في المفقود ، وإنما قيد الأول بالهون والثاني باليوم على جهة الإبهام ولم يعكس الأمر فيهما ؛ لأن الأول موجه على جهة الأمر ، بخلاف الثاني ، فلهذا أمره بالتهوين في مبدأ الأمر ، حبا كان أو بغضا من غير تهالك فيهما مخافة أن يبدو له خلاف ذلك فيصعب تداركه ويعظم تلافيه ، فلا جرم قيد الأمر بالهون ، لما كان ملابسا له ، وقيد الرجوع باليوم ، لما كان عائدا إليه ، ولو عكس لم يعط هذا المعنى ، ومن هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا تجاحفت قريش ملكها فاتركوه » . وفي حديث آخر : « خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا تجاحفت قريش الملك فلا تأخذوه فإنما هو رشوة » فالإبهام هو قوله : « ما كان عطاء » ، لاشتماله على مقاصد عظيمة ، وفي هذا القدر كفاية من التمثيل بالكلام النبوي . ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه في الإبهام قوله عليه السلام : أحسن إلى من شئت تكن أميره ، واحتج إلى من شئت تكن أسيره ، واستغن عمّن شئت تكن نظيره . وفي هذا الكلام من الإعجاب ما لا يطلع عليه إلا الخواص ، ولا يحيط بأسراره إلا كل غواص ويحار السامع له من أي شيء يعجب منه ، هل من فصاحة لفظه ؛ أو بلاغة معناه ؛ أو من حسن سبكه أو من دقة مغزاه ، ومنه قوله عليه السلام عند قراءة : أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) [ التكاثر : 1 ] يا مراما ما أبعده ، وزورا ما أغفله . فانظر إلى مطلع هذا الوعظ ما فيه من الزجر والمبالغة في الموعظة وقرع القلوب وإيقاظها من الغفلة ، ومنه قوله عليه السلام : إنّ الرجل ليحزن على ما لم يكن ليدركه ، ويفرح بما لم يكن ليفوته ؛ فهذا أيضا من عظيم الإبهام ، ومن جيد الإبهام قولهم : لو رأيت أمير المؤمنين وقد اعتقل القناة يجدل الأبطال ، ويجول في معترك القتال أىّ مجال . فهذا عموم وإبهام معط للبلاغة ، وإن لم يكن فيه آلة الإبهام ، فأما الأبيات الشعرية فكقول البحتري :