يحيي بن حمزة العلوي اليمني

44

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الفصل الخامس في [ الإبهام والتفسير ] اعلم أن المعنى المقصود إذا ورد في الكلام مبهما فإنه يفيده بلاغة ، ويكسبه إعجابا وفخامة ، وذلك لأنه إذا قرع السمع على جهة الإبهام ، فإن السامع له يذهب في إبهامه كل مذهب ، ومصداق هذه المقالة قوله تعالى : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ ثم فسره بقوله أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) [ الحجر : 66 ] وهكذا في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما فأبهمه أولا ثم فسره بقوله : بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [ البقرة : 26 ] ففي إبهامه في أول وهلة ، ثم تفسيره بغير ذلك تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه ، فإنه لو قال : وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع ، وإن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا بعوضة ، لم يكن فيه من الفخامة وارتفاع مكانه في الفصاحة ، مثل ما لو أبهمه قبل ذلك ، ويؤيد ما ذكرناه هو أن الإبهام أولا يوقع السامع في حيرة وتفكّر واستعظام ، لما قرع سمعه فلا تزال نفسه تنزع إليه وتشتاق إلى معرفته والاطلاع على كنه حقيقته ، ألا ترى أنك إذا قلت : هل أدلك على أكرم الناس أبا ، وأفضلهم فعلا وحسبا ، وأمضاهم عزيمة ، وأنفذهم رأيا ، ثم تقول : فلان - فإن هذا وأمثاله يكون أدخل في مدحته مما لو قلت : فلان الأكرم الأفضل الأنبل ، وما ذاك إلا لأجل إبهامه أولا ، وتفسيره ثانيا ، وكل ذلك يؤكد في نفسك عظم البلاغة في الكلام إذ أبهم أولا ، ثم إنه فسر ثانيا ، ثم في إفادته لما يفيده من ذلك ضربان : الضرب الأول منهما ما يرد مبهما من غير تفسير ، ووروده في القرآن كثير ، وهذا كقوله تعالى في قصة موسى وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ [ الشعراء : 19 ] فلم يذكر الفعلة بعينها مع كونها معلومة لما في ذلك من المبالغة في أمرها وتعظيم شأنها ، كأنه قال : تلك الفعلة التي عظم أمرها ، وارتفع شأنها ، وكقوله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] يريد بذلك الطريقة أو الحالة أو الخصلة إلى غير ذلك من المحتملات المتعددة ، وأي شيء من هذه الأمور قدّرته فإنك لا تجد له من البلاغة وإن بالغت في الإفصاح به ، الذي تجده من مذاق الفصاحة مع الإبهام ، من جهة أن الوهم يذهب معه كل مذهب ، لما فيه من المحتملات الكثيرة ومن هذا قوله تعالى : فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ ( 78 ) [ طه : 78 ] يريد أنه بلغ مبلغا تقاصرت العبارة عن كنهه فحذف ذاك وأقام الإبهام مقامه ؛ لأنه أدل على البلاغة فيه كما قررناه ، ومنه قوله تعالى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى ( 53 )