يحيي بن حمزة العلوي اليمني

24

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

القرآن لا يعلمه إلا الله وحده ، فأما من توقف فهو شاك في الأمرين ، فتردد فيهما جميعا ، فلا مذهب له في الحقيقة ؛ لأنه غير قاطع بحكم في الآية ، والمختار عندنا في الآية أن الراسخين مرفوع على الابتداء و يَقُولُونَ [ آل عمران : 7 ] خبره ، وأن الواو عاطفة لجملة على جملة ، فيكون التقرير : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ، وأما الراسخون فيقولون : آمنا به كل من عند ربنا ، ويدل على ما اخترناه أوجه ؛ أما أولا فلأن ظاهر الواو للعطف ، فلا يجوز العدول عنه من غير دليل ، وإذا وجب العطف فلا يجوز عطف الراسخين على قوله : إِلَّا اللَّهُ لأن الراسخين جملة ، واسم الله مفرد ، فلا يجوز عطفه عليه ، وأما ثانيا فلأن الراسخين لو كان معطوفا على اسم الله ، لم يحسن الوقوف على اسم الله دونه ، إذ لا يحسن الوقف على المعطوف عليه دون المعطوف ، فلما حسن ذلك دل على امتناع عطفه عليه ، وأما ثالثا فلأن وضع « أما » للتفصيل بين الأجناس المتعددة ، ولم يسبق إلا أحد الجنسين ، وهو قوله فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ إلى آخر صفاتهم ، فيجب أن يتلوه الجنس الآخر المقابل له ، وهم الراسخون في العلم ، فتحصل « أما » الأولى « وأما » الثانية على مقصود التقابل ، كما قال تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا [ هود : 106 ] ثم عقبه بقوله : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا [ هود : 108 ] فيكون تقدير الآية : فأما الزائغون فيتبعون وأما الراسخون فيقولون : آمنا به ، لا يقال : لو كان الراسخون عطفا على قوله : فَأَمَّا الَّذِينَ لوجب إثبات الفاء في قوله : يَقُولُونَ كما جاءت في قوله : فَيَتَّبِعُونَ ليتطابق الكلامان ويتسق نظامهما ، لأنا نقول . هذا هو الوجه اللائق ، لكنا نقول : إنما ترك المجيء بها لأن الفاء إنما يجب الإتيان بها : إذا كانت ( أما ) مذكورة في الكلام لأنها مشعرة بالشرط ، فأما إذا كانت محذوفة فلا يلزم الإتيان بالفاء ، فلما حذفت في قوله : وَالرَّاسِخُونَ استغناء عنها بالواو ، لا جرم لم يأت بالفاء في قوله : يَقُولُونَ من أجل ذلك ، ومن ذلك قوله تعالى : وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) [ الشعراء : 79 - 81 ] فعطف السقي على الإطعام بالواو إرادة للجمع بينهما ، وتقديم أحدهما على الآخر جائز ، إذ لا ترتيب فيهما ، خلا أن مراعاة حسن النظم والمشاكلة أوجب ذلك ،