يحيي بن حمزة العلوي اليمني

213

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

يكون ماضيا ومستقبلا ، وهذه هي فائدة اللف ثم إنه نشرهما بعد ذلك بقوله : يوم قد مضى أحصى فيه عمله ، فهذا يتناول الماضي ، ويوم قد بقي لا يدرى ما يفعل فيه ، وهذا يتناول المستقبل ، فهذه هي حقيقة اللف والنشر كما قررناه ، ولو لم يرد اللف والنشر لقال فيه : إن المرء بين يومين ، يوم قد مضى ويوم قد بقي ، وهو إذا كان على هذه الصورة لم يكن من هذا الباب في ورد ولا صدر ، ومن هذا قوله صلى اللّه عليه وآله : وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد ، ويقربان كل بعيد ، ويأتيان بكل موعود ، فلفّ الليل والنهار جميعا ، ثم فصّل أحكامهما بعد ذلك ، وهذا إنما يكون لفا ونشرا إذا كان بلى أحدهما مخالفا لبلى الآخر ، وهكذا حال التقريب ، فأما إذا تماثلا فليس منه ، وفيه تعسف ، والأحق في المثال غيره ، ولو لم يرد اللف والنشر لقال : وقد رأيتم الليل كيف يبلى كل جديد ويقرب كل بعيد ويأتي بكل موعود ، ورأيتم النهار كيف يبلى كل جديد ويقرب كل بعيد ويأتي بكل موعود لم يكن من باب اللف والنشر ، ومن ذلك قوله عليه السلام : إنما يؤتى الناس يوم القيامة من إحدى ثلاث ، إما من شبهة في الدين ارتكبوها ، أو شهوة للذة آثروها ، أو عصبية لحمية أعملوها ، فإذا لاحت لكم شبهة فاجلوها باليقين ، وإذا عرضت لكم شهوة فاقمعوها بالزهد ، وإذا عنت لكم عصبية فادرءوها بالعفو ، فانظر أيها المتأمل ما حواه هذا الكلام من لطائف الإجمال والتفصيل ، واشتمل عليه من محاسن اللف والنشر ، ومن تأمل كلامه عليه السلام وجد فيه ما يكفى ويشفى من ذلك . ومن كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه قوله : وما أعد الله للمطيعين منهم والعصاة من جنة ونار وكرامة وهو ان ، فقوله للمطيعين والعصاة هذا هو اللف وقوله من جنة ونار أراد الجنة لأهل الطاعة والنار لأهل المعصية وقوله كرامة وهوان ، أراد الكرامة لأهل الطاعة والهوان لأهل المعصية ، فما هذا حاله يطلق اتكالا على قريحة السامع في رد كل شيء إلى ما يليق به ، ومن ذلك قوله عليه السلام : الناس ثلاثة ، عالم رباني ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق ، فأشار بقوله ثلاثة إلى اللف ، ثم نشره بعد ذلك بما أشار إليه من التفاصيل . ومن الأمثلة في المنظوم ، ما قاله بعض الشعراء :