يحيي بن حمزة العلوي اليمني
211
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التي خولته ، ولا يقوى تصعّد السحب إلا بكثرة غيثها الذي أنزلته ، وغير خاف أن عبيد الدولة لها كالعمد من طرافها ، ومركز الدائرة من أطرافها ، ولا يؤيد السيف إلا بقائمة ، ولا ينهض الجناح إلا بقوادمه ، فهذه الفواقر كلها من باب لزوم ما لا يلزم ، ومن ذلك ما قالته امرأة لقيط بن زرارة تثنى عليه بعد قتله ، واستخلافها لغيره إنه خرج يوما وقد تطيب وشرب فطرد البقر وصرع منها ، ثم أتاني وبه نضح دم فضمّنى ضمة ، وشمّنى شمة ، فليتني مت ثمّة ، فهذا الكلام من الباب الذي نحن بصدده ، ومن المنظوم ما قاله ابن الرومي وكان من أكثر الناس ولعا بلزوم ما لا يلزم في أشعاره « 1 » : لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلّا فما يبكيه منها وإنّه * لأوسع مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنّه * بها سوف يلقى من أذاها يهدّد فإلزام حركة الفتح قبل حرف الروى من باب لزوم ما لا يلزم كما مر تقريره وقال المعرى « 2 » : ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة * وحقّ لسكّان البسيطة أن يبكوا يحطّمنا صرف الزمان كأننا * زجاج ولكن لا يعاد له السّبك وقال في الحريريات : من ضامه أو ضاره دهره * فليقصد القاضي في صعده سماحه أزرى بمن قبله * وعدله أتعب من بعده وهذا وأمثاله من باب لزوم ما لا يلزم في الحركة والحرف جميعا كما ترى ، ومن أبيات الحماسة قوله : إن التي زعمت فؤادك ملّها * خلقت هواك كما خلقت هوى لها بيضاء باكرها النعيم فصاغها * بلباقة فأدقّها وأجلّها حجبت تحيّتها فقلت لصاحبي * ما كان أكثرها لنا وأقلّها فإذا وجدت لها وساوس سلوة * شفع الفؤاد إلى الضمير فسلّها
--> ( 1 ) انظر الأبيات في التبيان في المعاني والبيان 2 / 387 بتحقيقنا ، ويروى البيت الثالث : إذا أبصر الدنيا استهل كأنه * بما هو لاق من أذاها يهدد وانظر أنوار الربيع 2 / 152 . ( 2 ) انظر البيت في التبيان بتحقيقنا 2 / 525 ، والبيت لأبى العلاء المعرى ، وهو في اللزوميات 2 / 2176 .