يحيي بن حمزة العلوي اليمني

209

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الصنف الخامس [ لزوم ما لا يلزم ] ويقال له الإعنات ، ويرد في المنظوم والمنثور من الكلام ، ومعناه في لسان علماء البيان أن يلتزم الناظم قبل حرف الروى حرفا مخصوصا ، أو حركة مخصوصة من الحركات قبل حرف الروى أيضا ، وهكذا القول في الرّدف ، فإنه يجعله على حد حرف متماثل ، وهكذا إذا ورد في النثر يكون على هذه الطريقة كما سنوضحه بالأمثلة ، فحاصل الأمر في لزوم ما لا يلزم ، هو أن يلتزم حرفا مخصوصا قبل حرف الروى من المنظوم أو حركة مخصوصة ، فما هذا حاله إذا التزمه الناثر أو الناظم فهو إعنات لنفسه وكد لقريحته ، وتوسع في فصاحته وبلاغته ، وإن خالفه فلا عيب عليه في ذلك ، وكان له في تغييره مندوحة بخلاف ما إذا كان قبل حرف الروى ردفا وهو الواو والياء ، فإن ما هذا حاله لا يجوز تغييره إلى غيره ، فلا يقال إنه من باب لزوم ما لا يلزم ، بل لازم للناثر والناظم أن يأتي به على حاله ، خلا أنه يجوز معاقبة الواو للياء ، ومعاقبة الياء للواو ولا يجوز معاقبة الألف لهما ، فعلى هذا يجوز عمود ، وشديد ، ولا يجوز ميعاد ، في تقابل الأسجاع ، ولهذا جاء قوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( 8 ) [ العاديات : 6 - 8 ] فحرف الردف ليس من باب لزوم ما لا يلزم ، بل هو لازم بكل حال ، فإذا عرفت هذا فلنورد أمثلته لينكشف أمره ، فمما جاء منه في التنزيل قوله تعالى : وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) [ الطور : 1 - 2 ] وقوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) [ العلق : 1 - 2 ] وقوله تعالى : فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ( 29 ) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( 30 ) [ الطور : 29 - 30 ] وقوله تعالى : وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 ) [ الواقعة : 27 - 29 ] وقوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 39 ) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( 40 ) [ الأنفال : 39 - 40 ] وقوله تعالى : يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) [ مريم : 45 - 46 ] وهذا الأسلوب في القرآن على القلة ، وما