يحيي بن حمزة العلوي اليمني
183
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وأقول إن هذا الكلام هو الشفاء بعد كلام الله ، والذي ينبغي أن يكون عليه الاعتماد بعد سنة رسول اللّه ، فلقد ضمّنه من محاسن الاقتضاب من أبلغ الوعظ أعجب العجاب ، وما فيه بلاغ وذكرى لأولى الألباب ، فانظر أيها المتأمل كيف افتتح الكلام بذم الدنيا وما اشتملت عليه من صروف المحن والبلوى ، ثم خرج منه إلى الخروج عن الدنيا ، ثم خرج منه إلى ذكر غرورها ، ثم خرج منه إلى ذكر منزلة الحي من الميت في بعدها وقربها ، ثم أردفه بذكر حال الثواب والعقاب ، ثم رجع إلى ذكر حال الدنيا بوصف آخر مع الآخرة من زيادة أو نقصان ، ثم خرج إلى ذكر الرزق وما ضمن منه ، ثم ذكر التكليف وما حملنا منه ، ثم خرج إلى ذكر الأمل وما حملنا منه ، ثم خرج منه إلى ذكر الأمل وغروره ، وذكر الأجل وحضوره ، يقتضب كل واحد من هذه الآداب اقتضابا ربما كان أحسن من التخلص ، لما فيه من الرقة واللطافة ، ثم ختم هذا الكلام بختام هو لباب سره ، ونظام سلكه وعبقات عبيره . ونفحات مسكه ، وهو قوله فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، فهي جامعة لجميع ما أسلفه ، ومؤكدة لما عدده ورصفه ، فلو كان من كلام البشر معجزة لكان هذا هو الأول ، ولو أعجز شيء من الكلام بعد كلام الله لكان هذا هو الثاني ، ومن بديع ما جاء في الاقتضاب قول البحتري يمدح الفتح بن خاقان بعد انخساف الجسر به في قصيدته التي مطلعها : متى لاح برق ، أو بدا طلل ، قفر * جرى مستهل لا بكيء ، ولا نزر وبعده : فتى لا يزال الدهر بين رباعه * أياد له بيض ، وأفنية ، خضر فبينا هو في غزلها إذ خرج إلى المديح على جهة الاقتضاب بقوله : لعمرك ما الدّنيا بناقصة الجدا * إذا بقي الفتح بن خاقان والقطر فخرج إلى المديح من غير أن يكون هناك له سبب من الأسباب كما ترى . ومن ذلك ما قاله أبو نواس في قصيدته التي مطلعها قوله « يا كثير النّوح في الدّمن » فضمّنها غزلا كثيرا ثم قال بعد ذلك : تضحك الدنيا إلى ملك * قام بالآثار والسّنن سنّ للناس النّدى فندوا * فكأنّ المحل لم يكن وأكثر مدائح أبى نواس مؤسسة على الاقتضاب من غير ذكر التخلص . وفيما ذكرناه كفاية عن إبانة التخلص والاقتضاب فهذا ما أردنا ذكره فيما يختص بالدلائل المركبة وهو الباب الثالث .