يحيي بن حمزة العلوي اليمني

175

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

من كان فيه نفع فهو حقيق بما يفعل في حقه من رفع المنزلة وعلو الدرجة ، وثالثها قوله : أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) لأن كل من قدر على النفع فهو قادر على الضرر وعكسه أيضا ، لأن حق من كان قادرا على شيء أن يكون قادرا على ضده ، لأن القدرة صالحة للأمرين الضدين جميعا والمختلفين ، فهذه إلزامات ثلاثة لا محيص لهم عنها ، فإذا كان حالها هذه الحال من عدم السمع ، واستحالة النفع والضر منها ، فلا يليق بحالها العبادة التي هي نهاية الخضوع والذلة للمعبود ، مع عدم الأهلية والاستحقاق ، هذا محال في العقول بلا مرية ، ثم أجابوه بالإقرار بما ألزمهم من عدم ذلك منها فزاد إقرارهم الإلزام تأكيدا وإفحاما فقالوا الأمر فيها كما قلته لكنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ، فنادوا على أنفسهم بالجهالة ، وأقروا بركوب الضلالة ، وأنهم ما فعلوا ذلك عن نظر وتفكر وتدبر ، فوصفوا نفوسهم بالقصور عن مراتب النظار ، وانخرطوا في سلك أهل الغباوة والأغمار ، وزعموا أنه لا عمدة لهم في ذلك إلا وجدان الآباء ، واقتفاء آثار الأسلاف والرؤساء . التخلص الثالث أنه لما تحقق تعويلهم على التقليد خرج إلى إبطال أمره وتزييفه بقوله : قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) [ الشعراء : 75 - 76 ] فأورد الرد عليهم بالاستفهام على جهة الإنكار متعجبا من حالهم حيث جعلوا ما لا يكون ، حجة وبرهانا ، وليس حجة ، بل هو شبهة منكرة ، وأخرجه عن أن يكون حجة ، كأنه قال أفلا ترون ما جعلتموه مستندا لعبادتكم أنتم ومن سلف من آبائكم القدماء ، هل مثله يعبد مع كونه لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ولا يملك شيئا ، وفيه تعريض بحالهم وتجهيل لهم وأن من هذه حاله من عبادة حجر لا يضر ولا ينفع فلا عقل له ، ولا يكون معدودا من العقلاء . التخلص الرابع هو أنه لما ذكر أنهم لا يستحقون العبادة خرج إلى ذكر عداوته لمن هذه حاله ، فلهذا قال عقيب ذلك فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ كأنه صور المسألة في نفسه على معنى إني فكرت في أمرى ونظرت في حالي ، فرأيت أن عبادتي لها عبادة للشيطان العدو فاجتنبتها ، وإنما قال : « فإنهم عدوّ لي » بالإضافة إلى نفسه ولم يقل فإنهم عدو لهم ، ليريهم بذلك أنها نصيحة ينصح بها نفسه ليكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله ، وأبعث إلى الاستماع لخطابه ، ولو قال : فإنهم عدو لكم ، لم يفد هذه الفائدة ، وكان القياس في الخطاب بالضمير أن يقول : فإنها