يحيي بن حمزة العلوي اليمني

172

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

عرف من حاله أن لا بد من ذكر المستقبل بحكمه ، وهو الجهل بما يكون غدا ، فلأجل هذا كان الإرصاد فيه سابقا معلوما ، ومن ذلك ما قاله أبو تمام : فإن يك جرم ، أو أتيت بهفوة * على خطأ منّى فعذرى على عمد فما هذا حاله من أحسن ما يأتي في الإرصاد فإنه لما ذكر الخطأ حسن وقوع العمد بعده وكان مفهوما عند الوقوف على قوله « على خطأ منى » بلا مرية ، ومن ذلك ما قاله أيضا : خرقاء تلعب بالعقول مزاجها * كتلعّب الأفعال بالأسماء فإنه لما ذكر الأفعال علم لا محالة أن عجز البيت أن يأتي بلفظة الأسماء لما سبق ذكر الأفعال ، فمن قرع مسامعه هذا البيت وكان له ذوق في العربية ، فإنه يعرفه قطعا . وقال أيضا : مودّة ، ذهب ، أثمارها شبه * وهمة جوهر ، معروفها عرض فإنه لما ذكر الذهب جعل في مقابله الشبه ، ولما ذكر الجوهر علم أن مقابله العرض ، وهذا إرصاد حسن ، وحكى ابن الأثير عن بعض علماء البيان أنه ينبغي لمن يتكلم في المنظوم والمنثور أن يجنب كلامه الألفاظ المصطلح عليها بين النحاة والمتكلمين وأهل الصناعات وغيرهم ، وهذا فاسد لا وجه له فإن الشاعر والكاتب يخوضان في كل شيء ولا يقتصر خوضهما على فن دون فن ، ولا اصطلاح دون اصطلاح ، ولهذا فإنك تراهم إذا استعملوا شيئا من الكلمات المصطلح عليها في العلوم أو في الصناعات في أشعارهم ورقائقهم ، وجدت له أحسن موقع ، وازداد جمالها ، وظهر رونقها وكمالها ، فهذا ما أردنا ذكره في معاني الإرصاد .