يحيي بن حمزة العلوي اليمني

17

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

فلهذا ميز بين الجملتين مشيرا إلى ما ذكرناه ، وقوله تعالى وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [ آل عمران : 77 ] فإنما أورد الضمير دلالة على تأكيد تحققهم للصدق ، ومع ذلك يقولون على الله الكذب وهم يعلمون كونه كذبا ، أو هم يعلمون أنه لا يقوله ، وقوله تعالى : وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [ الزخرف : 77 ] ونحو قوله تعالى فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ [ الصافات : 70 ] وأمثال ذلك في كتاب الله أكثر من أن يحصى ، وكما وجب تصدير الاسم في الجملة الإثباتية من أجل المبالغة وجب تقديمه في الجملة السلبية أيضا ، فتقول : أنت لا تحسن هذا ، وأنت لا تقول ذلك ، ولو قلت : لا تحسن أنت هذا ، ولا يقول ذلك إلا أنت ، فأتت تلك القوة عن الكلام ، ومن هذا قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ [ المؤمنون : 59 ] وقوله تعالى لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ يس : 7 ] وقوله تعالى فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ [ القصص : 66 ] وقوله وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ الزخرف : 66 ] ومن الأبيات الشعرية ما يدل على ما نحن فيه كقوله « 1 » : هما يلبسان المجد أحسن لبسة * حريصان ما اسطاعا عليه كلاهما وقال بعضهم « 2 » : والشّيب إن يظهر فإنّ وراءه * عمرا يكون خلاله متنفّس لم ينتقص منّى المشيب قلامة * ولما بقي منّى ألبّ وأكيس فلما كان المشيب يذم في أكثر أحواله أتى باللام المؤكدة في قوله : ( ولما بقي ) وجعل الجملة الاسمية عوضا من الفعلية ، مبالغة في ذلك وتأكيدا كما مر بيانه ، وقال بعض أهل الحماسة « 3 » : إنا لنصفح عن مجاهل قومنا * ونقيم سالفة العدوّ الأصيد

--> ( 1 ) انظر الإيضاح / 64 بتحقيقنا ، والبيت لهمرة الخثعمية ، ترثى ابنيها ، وقال أبو رياش : هو لدرماء بنت سيار بن عبعبة الخثعمية ، انظر البيت في نهاية الإيجاز / 38 ، دلائل / 131 ، شرح الحماسة للتبريزى / 3 / 60 - 64 . ( 2 ) انظر أساس البلاغة للزمخشري 2 / 465 مادة ( ن ف س ) ، والبيت الأول لعدى بن الرعلاء الغساني ، أما الثاني فلم يذكره . ( 3 ) البيت الأول فيهما من قول مضرس بن ربعي الفقعسي ، انظر لسان العرب ( ج ه ل ) .