يحيي بن حمزة العلوي اليمني

168

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الفصل الخامس في [ الإرصاد ] اعلم أن الإرصاد في اللغة مصدر أرصد الشئ ، إذا أعده ، ومنه قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ( 14 ) [ الفجر : 14 ] وهو مفعال ، من رصده ، كالميقات ، من وقّته ، والغرض أن الله تعالى أعد العقاب للعصاة من غير أن يفوتوه بهرب ولا امتناع ، وأرصدت السلاح للحرب ، وهو في لسان علماء البيان مقبول في المنظوم والمنثور على أن يكون أول الكلام مرصدا لفهم آخره ، ويكون مشعرا به ، فمتى قرع سمع السامع أول الكلام فإنه يفهم آخره لا محالة ، فما هذا حاله من منثور اللفظ ومنظومه يقال له الإرصاد ، واشتقاقه هو مما ذكرناه ، فهذا هو الأخلق في تلقيبه بالإرصاد لما ذكرناه ، وقد حكى عن أبي هلال العسكري وكان متقدما في علم البلاغة على غيره آخذا منها بحظ وافر ، أنه لقّب هذا النوع من الكلام بالترشيح ، وهذا لا وجه له ، بل تلقيبه بالإرصاد أخلق لما أشرنا إليه في الاشتقاق ، ولنورد أمثلته ليتضح الأمر فيه : المثال الأول من كتاب الله تعالى ، وهذا كقوله تعالى : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) [ يونس : 19 ] فإذا قرع سمع السامع قوله تعالى : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ثم وقف على قوله : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [ يونس : 19 ] فإنه يعرف لا محالة لما سبق من تصدير الآية أن تتمتها وتكملتها فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) لما تقدم ما يشعر بذلك ويدل عليه ، ومن ذلك قوله تعالى : فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ [ العنكبوت : 40 ] فإذا وقف السامع على قوله : وَلكِنْ كانُوا عرف لا محالة أن بعده ذكر ظلم النفوس لما كان في الكلام الأول ما يدل عليه دلالة ظاهرة ، وأمارة قوية ، وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ [ العنكبوت : 41 ] فإذا وقف السامع على قوله : وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ فإنه يعلم لا محالة أن بعده بيت العنكبوت ، ومن هنا قوله تعالى :