يحيي بن حمزة العلوي اليمني

163

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المرتبة الثالثة ما يكون على جهة [ الإفراط ] وهو كما ذكر تجاوز الحد في المدح والذم وغيرهما من المقاصد ، وهل يجوز استعماله في الكلام أم لا ، فيه مذهبان ، المذهب الأول جواز استعماله ، وقالوا 7 ن أحسن الشعر أكذبه ، بل أكذبه يكون أصدقه ، ويصدّق ذلك الشعر قوله تعالى : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 236 ) [ الشعراء : 226 ] فظاهر الآية وإن كان واردا على جهة الذم لهم بدليل ما قبلها ، لكنه محتمل للإباحة كأنه جعل ذلك من دأبهم ومن عادتهم ، وأنه لا شاعر يوجد إلا وهذه صفته كما قال تعالى : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) [ الشعراء : 224 ] كأنه صار متابعة الغاوين لهم من جملة أوصافهم ، وقد تهالك الشعراء في ذلك وأتوا فيه بكل معجب مما يخجل الأذهان ، ويصمّ الآذان لغرابته ، ويحير الأفهام لشدة الإعجاب به . المذهب الثاني منعه آخرون ، وزعموا أن الأمور لها حدود ونهايات مما يدخل تحت الإمكان ، فأما ما كان من الأمور ما لا يدخل تحت الإمكان ولا يعقل وجوده فلا وجه له ، والمذموم من الإفراط ما لا يدخل له في الوجود على حال ، والمختار عندنا جوازه على كل أحواله ، لأنه إذا كان جائز الوجود فهو معجب لا محالة ، لاشتماله على المبالغة في المدائح وأنواع الذم ، وإن لم يكن جائز الوجود فالإعجاب به أشد ، والملاحة فيه أدخل ، وقد ورد مثل ذلك في كتاب الله تعالى قال الله تعالى : وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ ( 46 ) [ إبراهيم : 46 ] . على قراءة من قرأ بفتح اللام في تزول ؛ لأنها هي الفارقة بين المؤكدة والنافية ، وعلى هذا يكون معنى الآية وإن مكرهم لتزول منه الجبال ، فأمّا من قرأ بكسر اللام فإنها هي المؤكدة للجحد ، وليس فيها دلالة ، ولا شك أن من المحال في العقول أن المكر يزيل الجبال ويزحزحها عن مستقرّاتها ، وهكذا قوله جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ [ الكهف : 77 ] ، ومن المحال حصول الإرادة في الجدار ، وقوله تعالى : لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ [ الحج : 40 ] ويستحيل الهدم في الصلوات ، وقوله تعالى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ [ النحل : 112 ] ويستحيل في القرية أن تذوق ، وقوله : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [ يوسف : 18 ] ، والدم لا يكون كذبا إلى غير ذلك من