يحيي بن حمزة العلوي اليمني
157
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الفصل الرابع في [ الامتحان ] اعلم أن من المعاني ما يكون متوسطا فيما أتى به من أجله ، فيكون اقتصادا ، ومنها ما يكون قاصرا عن الغرض فيقال له تفريط ، ومنها ما يكون زائدا عن الحد فيكون إفراطا ، فهذا الفصل يسمى الامتحان لما كان فيه الإفادة لمعرفة هذه الأمور الثلاثة ، فإذا عرفت هذا فاعلم أن هذه الأمور الثلاثة ، أعنى الاقتصاد ، والتفريط ، والإفراط ، لها مدخل في كل شيء من العلوم والصناعات ، والأخلاق والطباع ، ولا بدّ من بيان معانيها في الأوضاع اللغوية ، ثم نظهر نقلها إلى المعاني . فأما الاقتصاد فاشتقاقه من القصد وهو العدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين ، قال الله تعالى : فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [ لقمان : 32 ] فوسطه بين قوله : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] فظلم النفس ، والسبق بالخيرات هما طرفان ، والاقتصاد أوسطهما ، وقال تعالى : وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 ) [ الفرقان : 67 ] فالإسراف ، والإقتار طرفان ، والقوام ، هو الوسط والاقتصاد ، لأن الوسط لا بدّ له من طرفين ، ولهذا قال عليه السلام : خير الأمور أوساطها ، ونهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن لباس الشهرتين ، فلا بد هناك من وسط مأمور به ، وهو لباس أهل الصلاح ، فلا يكون لباس أهل الفخر والخيلاء ولا لباس أهل الإدقاع والفقر والمسكنة ، ولهذا قال بعضهم : عليك بالقصد في كل الأمور تفز * إن التخلق يأتي دونه الخلق والوسط مستحسن عقلا ، وشرعا ، وعرفا ، وأما التفريط فهو التقصير والتضييع ، ولهذا قال تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] أي ما أهملنا من إيداعه المصالح الدينية ، ولا ضيعناها منه ، وأما الإفراط ، فهو الإسراف في الشئ والتجاوز للحد فيه يقال أفرط في الشئ ، إذا تجاوز الحد ، فصار التفريط والإفراط هما الطرفان الضدان ، والاقتصاد هو الوسط في الاعتدال ، فهذه هي المعاني التي تفيدها هذه الألفاظ من جهة اللغة ، فإذا عرفتها فنقول قد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى أمور مصطلح عليها في علوم البيان ، نوضحها ونجعلها على مراتب ثلاث :