يحيي بن حمزة العلوي اليمني
15
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الفصل الثاني في الخطاب بالجملة الاسمية والفعلية وذكر التفرقة بينهما اعلم أن الكلام إذا قصد به الإفادة ، فتارة يرد مصدّرا بالجملة الاسمية سلبا كان أو إيجابا ، وتارة يرد مصدرا بالجملة الفعلية سلبا كان أو إيجابا ، والمعاني تختلف بالإضافة إلى تصدير الجملتين ، فهذان طرفان : الطرف الأول في توجيه الخطاب ب [ الجملة الاسمية ] ، وهذا نحو قولك : زيد قد فعل ، وأنا فعلت ، وأنت فعلت ، ومتى كان واردا على جهة الاسمية ، فإنه ينقدح فيه معنيان : المعنى الأول أن تريد أن الفاعل قد فعل ذلك الفعل على جهة الاختصاص به دون غيره ، ويذكر على جهة الاستبداد ، وهذا كما تقول : أنا قتلت فلانا ، وأنا الذي شفعت لفلان عند الأمير بالعطية ، وأنا الذي توجهت في إطلاقه من السجن ، وكقوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا [ النجم : 43 - 44 ] فصدر الجملة بالضمير ، دلالة على اختصاصه تعالى بالإماتة والإحياء ، والإضحاك والإبكاء ، وإنما أورد الضمير وصير الجملة اسمية تكذيبا ، وردّا ، وإنكارا لمن زعم أنه مشارك لله تعالى في هذه الخصال ، ويؤكد هذا أن الأمور التي تقع فيها المشاركة وردت بالجملة الاسمية ، والأمور التي لا تقع فيها المشاركة ، وردت بالجملة الفعلية ، كقوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا ( 44 ) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى [ النجم : 44 - 45 ] فأورد الضمير في الأولى دلالة على الاختصاص بما ذكرناه دون الثانية ؛ لأنها لا مطمع فيها بالمشاركة ، بخلاف الأولى ، فإنه ربما يظن أو يتوهم فيها المشاركة ، فلا جرم ورد الضمير مصدّرا فيه الجملة ، دلالة على اختصاصه بما ذكرناه .