يحيي بن حمزة العلوي اليمني

143

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وقتا دون وقت ، ثم أردفه بتجديد الحمد في مستقبل الزمان وحاله ، ولهذا وجه الأول بالاسم ، والثاني بالفعل المضارع ، ليدل بالأول على الثبوت والاستقرار ، ويدل بالثاني على التجدد والحدوث ، ثم عقب بذكر الاستعانة لما كان محتاجا إليها في كل فعل ، وهي الألطاف الخفية من جهة الله تعالى ؛ لأن اللطف من الله تعالى من أجله يسهل كل عسير ، ويلين كل قاس ، ثم أردفه بالاستعاذة بالله من شرور الأنفس ، لما فيه من الضرر العظيم من أجل دعاء النفوس إلى كل شر ، وهي مطبوعة على أنها أمارة بالسوء في كل أحوالها ، ثم عقبه بالاستعاذة من السيئات ، فإنها مبعدة عن الخير ، داعية إلى الشر ، فمن أجل هذه المناسبة جعل هذا الدعاء ديباجة لكل مطلوب لما اختص من الملاءمة بما يذكر بعده . ومن ذلك افتتاحه صلّى اللّه عليه وسلّم في الدعاء لأبى سلمة عند موته حيث قال : اللهم ارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه من الغابرين ، واغفر لنا وله يا رب العالمين . فانظر إلى مناسبة هذا الافتتاح للحالة التي وقع فيها فافتتحه بذكر المهم الذي يفتقر إليه المدعو له في تلك الحال ، من رفع الدرجة في الآخرة ، ثم أردفه بذكر المهم الذي يؤثره المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده في الدنيا ، ثم ختمه بالجمع بين الداعي والمدعو له ، وهذا من الافتتاح البليغ الذي يعجز عن الإتيان بمثله كل بليغ ، ومن أنس بالأحاديث النبوية وكان له مطالعة لها فإنه يجد فيها ما يكفى ويشفى . المثال الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه وله عليه السلام من الافتتاحات الرشيقة في خطبه ، ومواعظه ، وكتبه ، ما يفوق على كل كلام فمن ذلك ما ذكره بعد تلاوته أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ ( 1 ) [ التكاثر : 1 ] فإن السبب في نزولها هو أن بنى عبد مناف من قريش وبنى سهم ، أكثروا المماراة ، أيهم أكثر عددا ، وأعظم جمعا ، فكثرهم بنو عبد مناف ، فقال بنو سهم : إن البغى أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم ، فنزلت الآية ذما لهم على ذلك فقال عليه السلام في معنى ذلك : يا مراما ما أبعده ، وزورا ما أغفله ، وخطرا ما أفظعه ، لقد استخلوا منهم أىّ مذكر ، وتناوشوهم من مكان بعيد ، بمصارع آبائهم يفخرون ، أم بعديد الهلكى يتكاثرون ؟ فتأمل هذا الافتتاح ، ما أجمعه للمقصود وأشد ملائمة لمراد الآية ، مع الاختصار البالغ والإيجاز البديع الذي يزيد تفصيله من بعد في أثناء الخطبة .