يحيي بن حمزة العلوي اليمني
133
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
النوع الثالث ما ورد من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، فممّا ورد من كلامه على جهة الإيجاز قوله في التوحيد كل ما حكاه الفهم ، أو تصوره الوهم فالله تعالى بخلافه ، فهذه الكلمة على قصرها وتقارب أطرافها قد جمعت محاسن التنزيه لذات الله تعالى عما لا يليق بها من مشابهة الممكنات ومماثلة المحدثات ، لأن الوهم إنما يتصور ما له نظائر في الوجود ، والله تعالى ليس لذاته مماثل ، ولا يعقل له مشابه ، وكلامه هذا دال على أن حقيقة ذاته ليس معلومة للبشر ، ولهذا قال : كل ما حكاه الفهم ، يشير به إلى أن العقول قاصرة عن تصور تلك الماهية وتعقل أصل تيك المفهومية ، وهذا هو المختار عندنا كما قررناه في المباحث العقلية ، وإليه يشير كلام الشيخ أبى الحسين البصري من المعتزلة وهو الرجل فيهم ، وهو رأى الحذاق من الأشعرية كأبى حامد الغزالي وابن الخطيب الرازي وغيرهم من جملة المتكلمين ، خلافا لطوائف من المعتزلة والزيدية . ومن الكلمات الوجيزة قوله عليه السلام : « التوحيد ألّا تتوهمه والعدل ألّا تتّهمه » هاتان الكلمتان قد جمعتا وحاذتا علوم التوحيد على كثرتها ، وعلوم الحكمة على غرارتها ، بألطف عبارة وأوجزها ولو لم يكن في كلام أمير المؤمنين في علوم التوحيد والعدل إلا هاتان الكلمتان لكانتا كافيتين في معرفة فضله ، وإحرازه لدقيق علم البلاغة وجزله ، فضلا عما وراءهما من بوالغ الحكم الدينية ، ونواصع الآداب الحكمية ، وقد أشرنا إلى لطائف كلامه وأوضحنا ما رزقنا الله من علوم أسراره في شرحنا لكتاب نهج البلاغة ، وإنه لكتاب جامع للصفات الحسنى وحائز لخصال الدين والدنيا ، وأما الإطناب فهو أوسع ما يكون وأكثر في خطبه وكتبه ، وما ذاك إلا لما تضمنه من المعاني واشتماله على الجم الغفير من النكت والأسرار ، ولننقل من كلامه نكتا تكون في الأيام غررا وفي نحو الرواة ذررا . النكتة الأولى في التوحيد قال : أول الدين معرفته ، وكمال معرفته توحيده ، وكمال توحيده التصديق به ، وكمال التصديق به الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفى الصفات عنه ، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن