يحيي بن حمزة العلوي اليمني
128
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ذات حسن لو استزادت من الحس * ن إليه لما أصابت مزيدا . فهي كالشمس بهجة والقضيب الل * دن قدّا والرئم طرفا وجيدا فالبيت الأول كان كافيا في إفادة المدح ، وبالغا غاية الحسن ، لأنه لما قال لو استزادت لما أصابت مزيدا ، دخل تحته كل الأشياء الحسنة ، خلا أن للتشبيه مزية أخرى تفيد السامع تصورا وتخيلا لا تحصل من المدح المطلق ، وهذا الضرب له موقع بديع في الإطناب وهكذا ورد قوله أيضا تردد في خلقي سؤدد * سماحا مرجى وبأسا مهيبا فكالسيف إن جئته صارخا * وكالبحر إن جئته مستثيبا « 1 » فالبيت الأول دالّ على نهاية المدح ، لكن البيت الثاني موضح ومبين لمعناه ، لأن البحر للسماح ، والسيف للبأس المهيب ، مع اختصاصه بالتشبيه الفائق الذي يكسب الكلام رونقا وجمالا ، ويزيده قوة وكمالا ، وله وقع في البلاغة وتأكيد في المعنى ، والتفرقة بين هذا الضرب وما قبله ظاهرة لا خفاء بها ، فإن هذا وارد على جهة التشبيه بعد تقدم ما يرشد إلى المعنى ويقويه ، بخلاف الضرب الأول ، فإن الإطناب فيه من جهة المفهوم المعنوي ، وبيانه هو أنه لما قال في الآية الأولى : لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [ التوبة : 44 ] أشعر ظاهرها من جهة المفهوم أن غير هؤلاء بخلافهم ، وأنهم المخصوصون بالإذن ، فإذا قال بعد ذلك إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 45 ] كان هذا مؤكدا لمفهوم الآية الأولى موضحا له ، مع ما أفاد من تلك الفائدة التي ذكرناها ، وهو اختصاصهم بالريب والوجل والتردد والحيرة ، وهكذا الكلام في الآية الثانية فإنه لما قال وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) [ الروم : 6 ] ، فنفى نفيا عاما أشعر ظاهره أنهم غير عالمين بعلم الدين ، وحقائق علم الآخرة ، ومفهومها أن معهم علما من ظاهر الدنيا ، فإذا قال بعد ذلك يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الروم : 7 ] كان إطنابا لمفهومها مؤكدا مع زيادة فائدة فيه ، وهو غفلتهم عن أمور الآخرة وإعراضهم عنها ، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن الإطناب في الضرب الأول
--> ( 1 ) سبق تخريجه .