يحيي بن حمزة العلوي اليمني

124

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الأول أن الإطناب هو التطويل ، وهذا هو المحكى عن أبي هلال العسكري ، وعن الغانمى أيضا وقالا : إن كتب الفتوح والتقاليد كلها ينبغي أن تكون مطولة كثيرة الإطناب ، لأنها مما يقرأ على عوام الناس لافتقارها إلى البيان ، فكلامهما يقضى بأنه لا تفرقة بين الإطناب والتطويل ، المذهب الثاني أنهما يفترقان ، فإن الإطناب يذكر لفائدة عظيمة بخلاف التطويل ، فإنه لا فائدة وراءه ، وهذا هو الذي عليه الأكثر من علماء البلاغة ، وإليه يشير كلام ابن الأثير وهذا هو المختار ، ويدل على ما قلناه من التفرقة بينهما هو أن الإطناب صفة محمودة في البلاغة ، بخلاف التطويل ، فإنه صفة مذمومة في الكلام ، وما ذاك إلا لأن الإطناب يجيء من أجل الفائدة بخلاف التطويل ، فإنه يكون من غير فائدة ، فحصل من مجموع ما ذكرناه أن ما يتوصل به إلى البغية من معاني الكلام أمور ثلاثة ، الإيجاز ، والإطناب ، والتطويل . فأما الإيجاز فهو دلالة اللفظ على معناه من غير نقصان فيخلّ ، ولا زيادة فيملّ ، وقد رمزنا إلى أسراره فيما سبق ، وأما التطويل والإطناب فهما متساويان في تأدية المعنى ، خلا أن الإطناب مختص بفائدة جديدة ، ولأجلها كان ممتازا عن التطويل ، ومثال ما قلناه من ذلك كمن سلك لطلب مقصد من المقاصد ثلاث طرق فإنها كلها موصلة إلى ما يريده ، فأحدها أقرب الطرق ، وهو نظير الإيجاز ، والطريقان الأخريان متساويتان في الإطالة ، وهما نظيرا الإطناب ، والتطويل ، خلا أن أحدهما مختص إما بمتنزّه حسن ، أو بمياه عذبة ، أو زيارة صديق أو غير ذلك من الفوائد ، فهو نظير الإطناب كما لخصناه ، وأصدق مثال في الإيجاز ، والإطناب ، والتطويل ، ما حكاه ابن الأثير وهو : أن المأمون لما وجّه طاهر بن الحسين في عسكر لحرب عيسى بن ماهان فقتله وهزم عسكره ، واستولى على جنده ثم كتب إليه طاهر يخبره بذلك فقال : كتابي إلى أمير المؤمنين ورأس عيسى بن ماهان بين يدي وخاتمه في يدي ، وعسكره متصرّف تحت أمرى والسلام . فهذا كتاب قد أوجز فيه غاية الإيجاز وأتى فيه بالغرض المقصود من غير تطويل ولا إطناب ، لاشتماله على تفاصيل القصة وإجمالها ، وهو من أحسن أمثلة الإيجاز ، وإن وجهته على جهة الاطناب فإنك لتشرح القصة مفصلة وتودع التفاصيل زبدا عظيمة من تعظيم المأمون وقوة سلطانه ، ونهضة جند الإسلام واستطالته على الكفار من أهل الردة ، لأن عيسى بن ماهان كان نصرانيا فيما قيل ، ويحكى صفة الواقعة وما كان ، مع فوائد عظيمة ، ونكت جمة ، فما هذا حاله يكون إطنابا لاحتوائه على ما ذكرناه من الفوائد ، وإن