يحيي بن حمزة العلوي اليمني

120

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

قولنا : زيد شجاع ، لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جرىء في الحروب ، مقدام على الأبطال ، وإذا قلنا ، زيد أسد ، فإنه يتخيل عند ذاك صورة الأسد وهيئته وما هو متصف به من الشجاعة والبطش ، والقوة والاستطالة على كل حيوان ، واختصاصه بدقّ الفرائس وهضمها ، وهذا لا نزاع فيه ، ومما يوضح ما ذكرناه هو أن العبارة المجازية تكسب الإنسان عند سماعها هزة وتحرك النشاط ، وتمايل الأعطاف ، ولأجل ذلك يقدم الجبان ، ويسخو البخيل ، ويحلم الطائش ، ويبذل الكريم نهاية البذل ، ويجد المخاطب بها نشوة كنشوة الخمر ، حتى إذا قطع ذلك الكلام أفاق من تلك السكرة ، وهب من سنة تيك النومة ، وندم على ما كان منه من بذل مال ، أو ترك عقوبة ، أو إقدام على أمر هائل ، وهذه هي فائدة سحر لسان الفصيح اللوذعىّ ، المستغنى عن إلقاء الحبال والعصىّ ، ومصداق هذه المقالة قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ من البيان لسحرا ، يشير به إلى ما قلناه ، فهذه هي فائدة المجاز ، نعم إذا ورد كلام يكون محتملا للحقيقة والمجاز جميعا في موارد الشريعة ، كان حمله على حقيقته أحق من حمله على مجازه ، لأنها هي الأصل ، والمجاز فرع ، وقد قررنا هذا المأخذ في الكتب الأصولية ، وهمنا ما يتعلق بعلوم البلاغة . القاعدة الثالثة [ مراعاة أحوال التأليف بين الألفاظ المفردة ، والجمل المركبة ] يجب مراعاة أحوال التأليف بين الألفاظ المفردة ، والجمل المركبة ، حتى تكون أجزاء الكلام متلائمة آخذا بعضها بأعناق بعض ، وعند ذلك يقوى الارتباط ، ويصفو جوهر نظام التأليف ، ويصير حاله بمنزلة البناء المحكم المرصوص المتلائم الأجزاء ، أو كالعقد من الدر فصلت أسماطه بالجواهر واللآلئ ، فخلص على أتم تأليف ، وأرشق نظام ، ولنضرب في ذلك مثالين : المثال الأول في المدح وهذا كقول البحتري : بلونا ضرائب من قد مضى * فما إن رأينا لفتح ضريبا هو المرء أبدت له الحادثا * ت عزما وشيكا ورأيا صليبا تنقّل في خلقي سؤدد * سماحا مرجّى وبأسا مهيبا فكالسيف إن جئته صارخا * وكالبحر إن جئته مستثيبا « 1 » فانظر إلى إجادته في تأليف هذه الكلمات التي صارت كالأصباغ التي يعمل منها

--> ( 1 ) في ديوان البحتري 1 / 151 ، ودلائل الإعجاز ص 85 ، التبيان : ص 179 .