يحيي بن حمزة العلوي اليمني

116

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً [ النمل : 61 ] وهو كثير الدور والاستعمال في كتاب الله تعالى ، وعلى هذا يكون له مفعولان ، فالمفعول الأول هو الشركاء ، والثاني هو الظرف ، وهو قوله « لله » وعلى هذا يكون الإنكار متوجها على أن يكون لله تعالى : شركاء على الإطلاق ، ويكون انتصاب « الجن » على إضمار فعل محذوف ، كأنه قيل فمن جعلوا لله شركاء ؟ قيل جعلوا الجن ، فالأولى جملة على حيالها ، والثانية جملة على حيالها ، وعلى هذا لا يكون فيه تقديم ولا تأخير بالإضافة إلى الجن والشركاء ، لانقطاع أحدهما عن الآخر كما ترى ، نعم يمكن تقدير التقديم والتأخير بالإضافة إلى الظرف نفسه ، فيقال : هل من فرق بين تقديم الظرف على الشركاء وتأخيره ، والذي يمكن من التفرقة فيه هو أن يقال : إن الظرف إذا كان متقدما كما في نظم الآية وسياقها ، فإن الإنكار متوجه من الله حيث جعلوا له شريكا مع أن فيه دلالة على أنهم لم يجعلوا لغيره شركاء ، بخلاف ما لو قال : وجعلوا شركاء لله ، فإن الإنكار حاصل فيه ، لكن ليس فيه دلالة على أنهم ما جعلوا لغيره شركاء ، ونظير ذلك قولك : ما أمرتك بهذا ، وما بهذا أمرتك ، فإنك إذا أخّرت الظرف كان حاصله نفى الأمر عن نفسك من غير أن يكون فيه دلالة على أنك أمرته بشئ آخر ، بخلاف ما إذا قلت : ما بهذا أمرتك ، فإنه كما هو دال على نفى الأمر عن نفسك ، فإنه دال على أنك قد أمرته بشئ آخر ، وهكذا تكون الآية كما قررته . التفسير الثاني أن يكون المفعول الأول لجعل ، هو الجن ، والمفعول الثاني هو الشركاء ، وعلى هذا يكون الظرف ليس بمعتمد ويكون متعلقا بشركاء ومن هاهنا يظهر سر التفرقة بين التفسيرين ، فأنت على التفسير الأول يظهر لك أن الإنكار إنما توجه عليهم من جهة إضافة الشركاء إلى الله تعالى على جهة الإطلاق ، سواء كان من جهة الجن ، أو من جهة غيرهم ؛ لأن المعنى أنه لا شريك لله في الإلهية ، لا من الجن ، ولا من غير الجن ، بخلاف المعنى الثاني ، فإن الإنكار إنما كان متوجها من جهة مشاركة الجن لا غير ، ولا شك أن الإطلاق مخالف للتقييد ، وعلى هذا يكون التفسير الأول أخلق بالآية وأدلّ على المبالغة من التفسير الثاني ، وبما ذكرناه تدرك التفرقة بينهما . ولقد كان إيراد هذه الآية حقيقا بفصل التقديم والتأخير لكونها منه وأخص به ، والذي جر من إيرادها هاهنا هو ما عرض فيها من الإشكال ، هل هي من باب الحصر ، أو من