يحيي بن حمزة العلوي اليمني

103

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

مبتدأ وخبره محذوف ، تقديره هذا على ما قررته ، وثانيهما النصب على أنه مفعول لفعل محذوف ، تقديره اعرف هذا ، وكلا الوجهين لا غبار عليه . الصورة الثانية قولنا : [ « اللهم » ] فأما الكلام على لفظها ، وكيفية تركيبها فقد ذكرناه في حقائق الإعراب فلا وجه لإيراده هاهنا ، وإنما نذكر ما يتعلق بخصوصية البلاغة ومجيئها على أثر عموم ، حشوا في الكلام ، حثا للسامع على رعاية القيد ، وتنبيها له على جريان العموم إلا في حالة القيد ، ومثاله قولنا أنا لا أنقطع عن زيارتك ، اللهم إلا أن يمنعني مانع ولا أترك الإحسان إليك ، اللهم إلا أن يحول بيني وبينك البعد ، وقد وقع في الحريريات : وما قيل في المثل الذي سار سائره ، خير العشاء سوافره ، إلا ليعجّل التعشّى ، ويجتنب أكل الليل الذي يعشى ، اللهم إلا أن تقد نار الجوع ، وتحول دون الهجوع ، فهي كما ترى واقعة بين كلامين منبهة على مراعاة القيد الذي ذكرناه . الصورة الثالثة [ « كل » ] فإنه دال على الشمول . اعلم أنك إذا قلت : جاءني القوم كلهم ، فإنه دال بحقيقة وضعه على أن كل واحد منهم قد وقع منه المجيء ، ويرفع أن تكون متجوزا في نسبة المجيء إلى جميع القوم بأن يكون الجائى بعضهم لكون المختلف عنهم واحدا أو اثنين ، أو لكون المتخلفين لا يعتد بهم ، كما يقال أجمعت الأمة على كذا ، وأنت تريد العلماء منهم ؛ لأن من عداهم لا اعتداد به ، أو أن تكون نسيت المجيء إلى جميعهم لأجل صدوره من بعضهم كما قال تعالى : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ [ الأعراف : 77 ] والعاقر لها من قوم صالح هو « قدار » لتنزلهم في الرضا منزلته ، وإذا قلت : ما جاءني القوم كلهم ، فإنه يفيد أن واحدا منهم قد جاء لأجل الشمول ، فالنفى والإثبات يقعان على ما ذكرناه ، نعم إنما يقع الخلاف إذا كان النفي واقعا على لفظة « كل » كقولك « ما كل القوم جاءني » أو غير واقع عليها كقولك « كلّ القوم ما جاءني » فهذان تقريران ، التقرير الأول في حكم النفي إذا وليته لفظة الشمول وكانت مندرجة تحته ، سواء كانت عاملة فيه في مثل قولك : ما كل طعامك مأكولا ، أو غير عاملة كقولك : ما مأكول كل طعامك ، فالنفى في هذه الصورة واقع على الشمول فلا يناقضه مجىء بعض القوم ، ولا أكل بعض الطعام ؛ لأن النفي على الشمول والإثبات واقع على