يحيي بن حمزة العلوي اليمني

85

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الضرب الثاني الأخبار النبوية ، فإن كلامه صلّى اللّه عليه وسلّم - وإن كان نازلا عن فصاحة القرآن وبلاغته - في الطبقة العليا بحيث لا يدانيه كلام ، ولا يقاربه وإن انتظم أي انتظام ، ولنورد من كلامه أمثلة ثلاثة . المثال الأول في المواعظ والخطب قال صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تكونوا ممن اختدعته العاجلة ، وغرته الأمنيّة ، واستهوته الخدعة ، فركن إلى دار سريعة الزوال ، وشيكة الانتقال ، إنه لم يبق من دنياكم هذه في جنب ما مضى إلا كإناخة راكب ، أو صر حالب ، فعلام تفرحون ، وما ذا تنتظرون ؟ فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن ، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل ، فخذوا الأهبة لأزوف النّقلة ، وأعدوا الزاد لقرب الرحلة ، واعلموا أن كل امرئ على ما قدّم قادم ، وعلى ما خلف نادم » . فليعمل الناظر نظره في هذا الكلام ، فما أسلس ألفاظه على الألسنة ، وما أوقع معانيه في الأفئدة ، وما احتوى عليه من التنبيه البالغ ، والوعظ الزاجر ، والنصيحة النافعة ، فصدره بالتحذير أولا عما يعرض من مصائب الدنيا من الانخداع والغرور والاستهواء وعقبه ثانيا بالتحذير عن الركون إلى الدنيا ، ونبه بألطف عبارة وأوجزها على زوالها وانقطاعها ، وأردفه ثالثا بالحث على عمل الآخرة وأخذ الأهبة للزاد ، ونبه على سرعة زوالها وانقطاعها ، وختمه بتحقق الحال في الإقدام على ما فعله من خير وشر ، وأنه نادم لا محالة على ما خلفه من الدنيا ، وأنه غير نافع ولا مجد ، ومن عجيب أمره أنه مع إغراقه في البلاغة فإنه قد اشتمل على أنواع أربعة من علم البديع : أولها « السجع » في قوله عليه السلام العاجلة ، والأمنية ، والخدعة ، والزوال ، والانتقال . « وثانيها » : التجنيس في قوله عليه السلام كإناخة راكب ، أو صر حالب . « وثالثها » : الاشتقاق ، في قوله : كل امرئ على ما قدم قادم ، ومنه قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [ الروم : 30 ] . « ورابعها » : الائتلاف وهو أن تكون الألفاظ لائقة بالمقصود ، فحيث كان المعنى فخما ، فاللفظ يكون جزلا كقوله « لا تكونوا كمن اختدعته العاجلة ، وغرته الأمنية ، واستهوته الخدعة » . وإن كان المعنى رشيقا ، كان اللفظ رقيقا سهلا كقوله عليه السلام « فكأنكم بما قد أصبحتم فيه من الدنيا لم يكن ، وبما تصيرون إليه من الآخرة لم يزل » وسنورد في فن البيان ما يتعلق بعلم البديع بمعونة الله تعالى .