يحيي بن حمزة العلوي اليمني
79
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ومصداق ما قلناه قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ [ يس : 37 ] فشبه انفصال الليل من النهار بسلخ الأديم عن الشاة ، وهذا يدلك على عظم اتصال الليل بالنهار وشدة التحامه به ، ولهذا فإنك ترى الفجر عند طلوعه ، نوره في غاية الامتزاج والاختلاط بظلام الليل ، فلا يزال النهار في قوة ، وغلبة ، وظهور ، حتى يستولى عليه بالإنارة فيمحوه ويزيله ، فالسلخ مؤذن بشدة الالتحام ، كالجلد ، والغشيان مؤذن بعظم الاستيلاء والاشتمال ، وكلاهما مشعر بالاتصال البالغ . يُغْشِي اللَّيْلَ جملة فعلية خبرية حال من الضمير في خلق ، ولهذا جاءت من غير واو ، دالة على اندراجها تحت ما تقدم يَطْلُبُهُ جملة أيضا خبرية حال من النهار ، ومجيئها من غير واو تنبيه على أنها موضحة للغشيان ومفسرة له ، لأنه لما جعل النهار غاشيا لظلمة الليل بالإنارة جعل النهار كالطالب لظلام الليل بالسرعة في الإزالة والمحو ، فكأنه قال : أغشيت الليل النهار ، وجعلت النهار طالبا له بالسرعة والإحثاث ، ويحتمل أن يكون ( يطلبه حالا من الليل ، أي جعلت الليل طالبا للنهار يستدعيه لإزالة ظلمته وكشف سواده بالإنارة والضوء ، والأول أعجب ، لأجل تقدم قوله : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ فلما كان النهار غاشيا لظلام الليل ، كان هو الطالب لإزالة ظلامه ، وانتصاب حَثِيثاً إمّا على الحال من النهار ، أي مسرعا عجلا ، وإما على الصفة لمصدر محذوف ، أي طلبا حثيثا ، وكلا المعنيين لا غبار على وجهه ، وإنما جاء قوله : خَلَقَ على صيغة الماضي ، وقوله : يُغْشِي و يَطْلُبُهُ على صيغة المضارع ، تنبيها على استقرار الخلق وتحققه وثبوته بالمضي ، ولما كان الغشيان والطلب يتجددان بحسب الأوقات ، جاءت المضارعة للإشعار بالتجدد والحدوث . وإنما قال : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ولم يقل : الخالق للسماوات والأرض ، لأن الفعل الماضي أدل على تحقق الخلق وثبوته واستمراره من اسم الفاعل . التنبيه الخامس قوله تعالى : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ انتصابها على العطف ، أي وخلق هذه الكواكب العظيمة المختصة بالإتقان العجيب ، والإحكام الباهر ، ولما اشتملت عليه من المصالح العامة للخلق ، فالشمس للضوء ، والإنارة ، والدفء ، وإصلاح جميع الناميات ، والقمر للنور الساطع ، وتقدير الأوقات ، والنجوم للاهتداء في ظلمات البر والبحر ، وغير ذلك من المنافع والمصالح : مُسَخَّراتٍ انتصابه على الحال من جميع ما