يحيي بن حمزة العلوي اليمني
72
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
المطلب الثالث في بيان ما يكون على جهة الاشتراك بينهما ولنشر من ذلك إلى تقريرين : التقرير الأول في إظهار التفرقة بينهما . اعلم أنا قد أشرنا من قبل إلى تعريف كل واحد منهما بماهية تخصه وتميزه عن غيره في ذاته ، ونذكر هاهنا ما يتميز به كل واحد منهما من جهة الخواص واللوازم ، وجملة ما نورده من ذلك تفرقات ثلاث . التفرقة الأولى : من جهة العموم والخصوص ، فإن البلاغة أعم من الفصاحة ، ولهذا فإن كل كلام بليغ ، فإنه لا بدّ من أن يكون فصيحا ، وليس يلزم في كل فصيح من الكلام أن يكون موصوفا بالبلاغة ، فالفصاحة والبلاغة بمنزلة الإنسان والحيوان ، فكل إنسان حيوان ، وليس كل حيوان إنسانا ، وهذا يدلك على خصوصية الفصاحة وعموم البلاغة ، فالبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني جميعا ، والفصاحة خاصة بالألفاظ من أجل دلالتها على معانيها كما أوضحناه من قبل . التفرقة الثانية : من جهة الإفراد والتركيب ، فالبلاغة إنما يكون موردها في المعاني المركبة دون المفردة ، والفصاحة تكون في الكلم المفردة كما تكون في الكلم المركبة ، ولهذا فإن الكلمة الواحدة توصف بكونها فصيحة إذا خلصت من التعقيد وسلس مجراها على اللسان ، ولا توصف الكلمة المفردة بأنها بليغة ، لأن المعنى البليغ إنما يكون حيث ينتظم الكلام ويأتلف من أجزاء ، فعند هذا يظهر جوهره في تأليفه ، ويعظم موقعه في نظمه فلا جرم يوصف بالبلاغة . التفرقة الثالثة : من جهة جرى الأوصاف اللفظية ، فإن المعهود عند من قرع سمعه أساليب كلامهم أنهم يصفون البلاغة بما لا يصفون به الكلام الفصيح ، وعن هذا قالوا لا يستحق الكلام الاتصاف بالبلاغة حتى يسابق لفظه معناه ، ومعناه لفظه ، فلا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك ، وكما قالوا حتى يدخل إلى الأذن بلا إذن ، وحتى يلج في العقل من غير مزاولة ولا ثقل ، وكما يحكى في وصف رجل من البلغاء بأنه كانت ألفاظه قوالب المعاني ، وقالوا في وصف الفصاحة في الكلام : بأنه متمكن غير قلق ، ولا ناب عن موضعه ، وقالوا أيضا : من حقه أن يكون جيد السبك صحيح الطبع وأن من حق