يحيي بن حمزة العلوي اليمني

47

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

وثانيها : أنه لا فائدة في العدول إلى المجاز مع إمكان الحقيقة ، فالعدول إليه يكون عبثا لا حاجة إليه . وثالثها : هو أن المجاز لا ينبئ عن معناه بنفسه ، فورود القرآن به يؤدّى إلى أن لا يعرف مراد الله فيفضى إلى الإلباس وهو منزّه عنه . ورابعها : أن كلام الله تعالى كله حقّ وصواب ، وكلّ حقّ فله حقيقة ، وكلّ ما كان حقيقة فلا يدخله المجاز ، وهذا هو المطلوب . « والجواب » أنا قد أوضحنا بالبرهان العقلي جوازه وأوردنا من الأمثلة في وقوعه في خطاب الله تعالى ما لا مدفع له إلا بالمكابرة والإنكار والمنكارة . قوله أولا : إنه يؤدّى إلى وصفه بأنه متجوّز مستعير ، قلنا : هذا فاسد لأمرين ، أما أولا : فلأن إجراء الأوصاف الإلهية موردة بالشرع ، فما أذن فيه أطلقناه ، وما سكت عنه توقّفنا في حاله ، وأما ثانيا : فلعلّ هذه الأوصاف توهم الخطأ مع صحة إجرائها عليه فلا جرم توقفنا في إطلاقها . وأما قوله ثانيا : إنه لا فائدة في العدول عن الحقيقة ، فقد قرّرنا فيما سلف الباعث على التكلم بالمجاز . وذكرنا هناك أغراضا حكمية تبعث عليه . وأمّا قوله ثالثا : إنّ المجاز يؤدى إلى اللبس ، قلنا : إنه لا لبس مع وجود القرينة ، والمجازات لا تنفكّ عن القرائن الحالية والمقالية ، كما سنذكر من بعد هذا بمعونة الله . وأما قوله رابعا : إن كلام الله تعالى حق ، قلنا إن كلام الله حقّ على معنى أنه صدق لا يجوز فيه كذب ، لا من أجل كون ألفاظه مستعملة في موضوعاتها الأصلية ، فأين أحدهما من الآخر ، وفيه وقع النزاع فبطل ما قالوه . الحكم الرابع في كيفية استعمال المجازات اعلم أن المجازات اللغوية المفردة يجب إقرارها حيث وردت ، ولا يجوز تعدّيها إلّا بتوقيف وإذن من جهة اللغة . وقد زعم فريق أنه يجوز تعدّيها عن أماكنها التي وردت فيها إلى غيرها . والحجّة على ما قلناه هو أن المجازات واردة على خلاف الأصل والاستعمال ، فيجب قصرها على الأماكن التي وردت فيها من غير تعدية . ولنضرب في ذلك أمثلة ، المثال الأول في مجاز النقصان كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] « واسأل العير » ، وقولهم « سل الرّبع » ، فهذه الأمور يجب قصر النقصان فيها