يحيي بن حمزة العلوي اليمني

31

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المجرى الأول منهما ما يكون عامّا ، وذلك ينحصر في صورتين ، الصورة الأولى منهما ، أن يشتهر استعمال المجاز بحيث يكون استعمال الحقيقة مستنكرا وهذا نورد فيه أمثلة ثلاثة : « المثال الأول » : حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، كقولنا « حرّمت الخمر » والتحريم مضاف إلى الخمر ، وهو بالحقيقة مضاف إلى الشرب ، وقد صار هذا المجاز أعرف من الحقيقة ، وأسبق إلى الفهم منها كما ترى . « المثال الثاني » : تسميتهم الشئ باسم ما يشابهه ، وهذا نحو تسميتهم حكاية كلام المتكلم بأنه كلامه ، كما يقال لمن أنشد قصيدة لامرئ القيس : بأنه كلام امرئ القيس لأنّ كلامه بالحقيقة هو ما نطق به ، وأما حكايته فكلام غيره ، فإضافته إلى الغير مجاز ، لكنه قد صار حقيقة ، لسبقه إلى الأفهام ، بخلاف الحقيقة . « المثال الثالث » : تسميتهم الشئ باسم ما له تعلق به ، وهذا نحو تسميتهم قضاء الحاجة بالغائط ، وهو المكان المطمئن من الأرض ، فإذا أطلق الغائط فإن السابق إلى الفهم منه مجازه ، وهو قضاء الحاجة ، دون حقيقته ، وهو المكان المطمئن فصارت هذه الأمور المجازية حقائق بالتعارف من جهة أهل اللغة ، تسبق إلى الأفهام معانيها دون حقائقها الوضعية اللغوية . « الصورة الثانية » : قصر الاسم على بعض مسمياته ، وتخصيصه به وهذا نحو لفظ الدابة ، فإنها جارية في وضعها اللغوىّ ، على كلّ ما يدبّ من الحيوانات من الدودة ، إلى الفيل . ثم إنها اختصّت ببعض البهائم ، وهي ذوات الأربع من بين سائر ما يدبّ ، بالعرف اللغوي ، فهذا مثال . « المثال الثاني » : الملك ، مأخوذ من الألوكة ، وهي الرسالة ، ثم إنه اختصّ ببعض الرسل ، وهم رسل السماء ، أعنى الملائكة . « المثال الثالث » : لفظ الجنّ ، والقارورة ، فإنه موضوع لكل ما استتر عنك ، ولما كان مقرّا للمائعات ، ثم اختصّ الجنّ ببعض من يستتر عن العيون ، واختصّت القارورة ببعض الآنية ، دون غيره مما يستقر فيه . فالعرف اللغوىّ لا ينفكّ عن هاتين الصورتين دون غيرهما ، ولم يثبت جريه على خلافهما ، فلهذا لم يجر إثباته فصارت هذه الألفاظ جارية على جهة الحقيقة على معانيها بالعرف اللغوي ، ومعنى الحقيقة حاصلة فيها فلا جرم قضينا بكونها حقائق عرفية لما ذكرناه .