يحيي بن حمزة العلوي اليمني

28

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

نذكر ما يتعلق بالمجاز على الخصوص . ثم نردفه بما يكون متعلقا بهما جميعا ، فهذه أقسام ثلاثة ، نفصلها بمشيئة الله تعالى . القسم الأول ما يتعلق بالحقيقة على الخصوص اعلم أن الحقيقة فعيلة واشتقاقها من الحقّ في اللغة ، وهو الثابت . وهو يذكر في مقابلة الباطل فإذا كان الباطل هو المعدوم الذي لا ثبوت له ، فالحقّ هو المستقرّ الثابت الذي لا زوال له ، فلما كانت موضوعة على استعمالها في الأصل قيل لها : حقيقة أي ثابتة على أصلها لا تزايله ولا تفارقه « ووزنها فعيلة » كعفيفة وشريفة ، وقد تكون بمعنى الفاعل أي حاقّة . ثابتة ، وقد تكون بمعنى المفعول أي محقوقة مثبتة . وهل يكون لفظ الحقيقة على ما يطلق عليه من باب الحقيقة ، أو من باب المجاز ؟ والحقّ أنه من باب المجاز لأنّا قد قرّرنا أنها مقولة في الأصل على الشئ الثابت غير المنفىّ المعدوم ، ثم إنها نقلت إلى استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي ، فقد أفادت معنى غير ما وضعت له في الأصل ، فلهذا كان إفادتها له على جهة المجاز لما ذكرناه . فإذا عرفت هذا فاعلم أن مقصودنا من هذا القسم تهذيبه بأن ترسم فيه مسائل . المسألة الأولى في بيان حد [ الحقيقة ] ومفهومها اعلم أن كثيرا من علماء البيان وجمعا من حذّاق الأصوليين قد أكثروا الخوض في تعريف ماهية الحقيقة ، وأتوا بأمور غير مرضيّة ، في بيان حقيقتها فأجمع تعريف ما ذكره أبو الحسين البصرىّ ، فإنه قال : ما أفاد معنى مصطلحا عليه في الوضع الذي وقع فيه التخاطب . ولنفسّر هذه القيود فقوله « ما أفاد معنى » عامّ في المعاني العقليّة والوضعية . وقوله مصطلحا عليه ، يخرج عنه المعاني العقلية ، كالدلالة على كون المتكلم بالحقيقة قادرا وعالما ، إلى غير ذلك من المعاني العقلية . وقوله « في الذي وقع فيه التخاطب » يدخل فيه جميع الحقائق كلها من اللغوية ، والعرفية ، والشرعية ، والاصطلاحية كما سنورد أمثلته . ولو قيل : هو اللفظ الدالّ على معنى بالوضع الذي وقع فيه ذلك الخطاب لكان جيدا ، فقولنا : « هو اللفظ الدالّ على معنى » يدخل فيه المعاني العقلية ، والمعاني اللغوية والمجازية وقولنا « بالوضع » يخرج منه العقلية وقولنا : « الذي وقع فيه ذلك الخطاب » يدخل فيه جميع الحقائق